بين النهضة والحراك التونسي .. تكامل أم صراع؟

يتحرر الدكتور المنصف المرزوقي من ضغوط الوضع الدولي حتى أنه وصل إلى رفع شعار رابعة، وأعلن زمالته الطبية للدكتور محمد البلتاجي السجين الإخواني، وخنقته العبرة في أثناء الخطاب وهم يذكر الحضور بأسماء البلتاجي الفتاة الشهيدة.

د. نور الدين العلوي*

سبق لي أن تساءلت  في مقال سابق  بعد الانتخابات الرئاسية في تونس،  وإعلان  الدكتور المرزوقي  ليلة إعلان النتائج عن ميلاد حراك (شعب المواطنين)  عمن سيقود الساحة السياسية  التونسية في المستقبل القريب والبعيد؟

وانتبهت إلى  احتمال بروز صراع  على زعامة الشارع بين  الشيخ راشد الغنوشي  زعيم حركة النهضة وبين  الدكتور مرزوقي  الذي سيحتفظ بصفة الرئيس السابق، ولا شيء يمنعه من صفة  قيادة المعارضة أو العودة إلى السلطة (نظريا على الأقل حتى تتبين رؤية الحراك الذي أعلنه ويعتزم تأسيسه).

وقد انعقد المؤتمر التحضيري للحراك يوم 25 أبريل (نيسان) 2015 بالعاصمة، وأعلن عن بدء العمل على تحويل الحراك إلى مؤسسات سياسية وثقافية ومدنية. لكن الذي لفت الانتباه  خلال المؤتمر هو الغياب الجلي لمكونات الساحة السياسية التي تمت دعوتها بشكل شخصي وحزبي  لمتابعة الأشغال، ولكنها لمعت بغيابها.

وكان الغياب الأبرز من كل غياب، هو اختفاء  قيادات حركة النهضة بمن فيهم الذي أعلنوا مواقف  ايجابية من مشروع المرزوقي: مثل عبد اللطيف المكي، وسمير ديلو والعجمي الوريمي. ثم ظهرت ردات الفعل السلبية من قبل الدائرة الضيقة حول راشد الغنوشي، والتي  تظهر في منشورات المستشار لطفي زيتون. الذي وصف المرزوقي باللؤم مانَّا عليه المساعدة في الحملة الانتخابية.

لا نميل إلى توقع الخصومات الفجة والتلاعن السخيف الذي يسري الآن بين  بعض أنصار النهضة، وأنصار الحراك على المواقع الاجتماعية.

فالمرزوقي والغنوشي قيمتان سياسيتان، وقد تعاملا معا بنبل كبير في قيادة معارضة بن علي ثم في حكومة الترويكا، وقد تبادلا دوما تقديرا عالياً لبعضهما. لكن نرى الاختلاف على  وضع إيقاع  مختلف  في توجيه الشارع ، وهنا سيقع الاختلاف الحقيقي.

تميل قيادة النهضة إلى تهدئة الوضع السياسي، وتحمل الكثير من رداءته وتعمل على  دفع خصومها من النظام القديم إلى التآكل الداخلي إلى حد السكوت عن الأخطاء الفادحة في حقها وفي حق البلد.

وتتعرض إلى نقد جديد وتخوين حتى من بعض أتباعها لكنها تتصبر وتخفف إيقاع العمل السياسي كأن كل شيء يتم بطريقة قابلة للاحتمال. وهي في نفس الوقت تتربص بالوضع الدولي غير المستقر من حولها فهي حركة مصنفة ضمن حركات الإسلام السياسي المتهمة مسبقا بالعنف، وهي لم تقبل بعد من الغرب المهيمن على مقدرات البلاد التونسية، وخاصة من فرنسا المستعمر السابق الذي يحتفظ بيد عليا على الوضع الداخلي والتي تناصبها عداء غير قابل لهدنة فضلا عن قبولها كمتحكم في الساحة.

لهذا تتأنى  وتقبل ضيماً كثيراً في انتظار أن تواتيها ريح، أو تنال بالصمت ما لا تنال بالصراخ العالي ضد النظام القديم. كما أنها على المستوى الحزبي التنظيمي دخلت مرحلة الإعداد لمؤتمر مصيري قد تصل مخرجاته إلى تغيير في خطها السياسي نفسه، وربما فرض عليها خصومها من خارجها تغيير اسمها لإشعارها بهوانها وحاجتها إلى التأقلم معهم دون أن يتأقلموا معها كما هي.

في الأثناء يتحرك المرزوقي برصيد سياسي ثوري متحرر من كل ضغط داخلي، ولا يعدل بوصلته إلا على أفكاره الخاصة ومشروعه الحراكي غير الواضح إلا بقدر للكثيرين. لذلك يجد راحة كبيرة في تحديد معالم النظام القديم الفاسد والمفسد ويعلن القطيعة معه كما لو أنه في مرحلة معارضة بن علي السابقة.

كما يتحرر من ضغوط الوضع الدولي  حتى أنه وصل إلى رفع شعار رابعة، وأعلن زمالته الطبية للدكتور محمد البلتاجي السجين الإخواني وخنقته العبرة  في أثناء الخطاب، وهو يذكر الحضور بأسماء البلتاجي الفتاة الشهيدة. وهو تضامن علني لم تجرؤ عليه قيادة النهضة وهي الأقرب منه عاطفيا  لحركة الإخوان المسلمين. كما أعلن  تبنيه لخط حماس المقاوم مصرا على شرف الحركة السياسي والنضالي مذكرا أن استقبال خالد  مشعل في قصر قرطاج قد كلفه سياسيا الكثير، لكنه لا يعدل موقفه على ذلك الثمن القاسي، وإنما على مبدئية تبني خط المقاومة في فلسطين.

هنا يظهر الخلاف بين الرجلين الذي قد يتحول إلى خلاف بين تيارين. فجرأة المرزوقي قرأت بسرعة كمزايدة على خط النهضة (خاصة لجهة الاعتذار الصريح عن الأخطاء أثناء الحكم بما فهم منه توريط  بقية مكونات الترويكا والمزايدة عليها)، ونظر إليها  كدخول “لئيم” في منطقة فعل النهضة وسرقة قضاياها الخاصة.وتم الرد  بأن تبني هذه القضايا الحقوقية والإنسانية ليس أصلا تجاريا للنهضة  تتبناه، وتناضل من أجله وحدها. فضلا عن ذلك  فإن  جملة  حادة  قد وشحت الخطاب وفهمت كإدانة لحركة النهضة المتحالفة مرحليا مع حزب النداء،  إذ قال المرزوقي بصريح العبارة إنه لا يمكن الوثوق بالنظام القديم فالخوف منه ومهادنته لاجتناب أذاه يقويه، ولا يفككه من الداخل. ولذلك  إذا عادت الأفعى (النظام القديم) عاد لها بالنعال ( المعارضة في الشارع).

ظهر جليًّا الاختلاف في الإيقاع الذي قد يفهم وقد فهم البعض أنه اختلاف في  التموقع إزاء النظام القديم والنهضة الآن تصير بالتحليل  جزء من النظام القديم لأنها تهادنه أو  تتربص به منتظرة أن يتفكك  من داخله. بما يجعل كل تقارب من التوجهين (الرجلين / التيارين) غير قابل للبقاء، وغير قادر على الوصول إلى تنسيق مواقف عملية، وهنا نفهم  غياب النهضة عن حضور المؤتمر.

يرفع المرزوقي السقف ويتبنى خطاباً عالي النبرة في الوضع الداخلي معلنا القطيعة الناجزة مع نظام الفساد والاستبداد عائدا إلى مرحلة القول بالنظام الذي لا يَصْلِح ولا يُصْلَح. فيما تذهب النهضة إلى أسلوب المناورة السياسية الطويلة النفس مخفضة سقف التوقعات بالتغيير السريع.

يرفع المرزوقي السقف في الوضع الدولي متبنيا خط المقاومة، فيما تناور النهضة متظاهرة بالغياب مرحليا أو باحثة عن جمل  هادئة تجنبها أذى سياسيا  في الداخل بما يجعلها بحسب النكتة جزء من مجلس الجامعة العربية.

يقطع المرزوقي مع طبقة رجال الأعمال الفاسدة والمفسدة، ويطرح برنامجا اجتماعيا يركز على إصلاح زراعي، وتوجيه الإنفاق العمومي نحو الطبقات الدنيا والمتوسطة التي تتعرض إلى تآكل سريع في مقدراتها الاقتصادية أمام موجات الغلاء والاحتكار التي تقودها بارونات النظام القديم. بينما  تربط النهضة علاقات كثيرة مع هذه الطبقة، وتسكت في البرلمان، وهي ركن منه كبير عن قانون الإصلاح الجبائي والضريبي المطلوب لانجاز العدالة الجبائية وتقع في ما يجرها إليها النظام القديم من مشاريع قوانين منها قانون تحصين القوى الأمنية من اعتداءات الشارع (هكذا).

كل هذه الخيارات المتضادة بين النهضة والحراك تصنع نسقين للفعل السياسي والمدني، وتجعل المرزوقي  يضاعف السرعة بما يجر النهضة (وبقية  مكونات المشهد) إلى اللهاث وراءه.

 وقد رفع الصوت بضرورة تنظيم الانتخابات البلدية قبل نهاية 2015 بما يعنيه فرض أولية على البرلمان للتسريع  بسن القانون الانتخابي، وتفعيل بنود الدستور المتعلق بالحكم المحلي. وهي ليست أولويات النهضة  الآن  حيث جرها شريكها الأقوى في السلطة إلى مناقشة أولوياته القانونية الخاصة كقانون الإرهاب، وقانون حماية الأجهزة الأمنية.

البرلمان سيكون في الأشهر القادمة تحت ضغط الحراك الذي يريد الانتخابات البلدية والمحلية، بينما يتأنى الآخرون وفي مقدمتهم النهضة في ذلك  مقدمين أولويتهم الحزبية على الأولوية الوطنية.
هذا الإيقاع المختلف سيكون عقدة العلاقة بين النهضة والحراك  بين الغنوشي والمرزوقي أما قواعد  التيارين فإنهم على قدر كبير من التوافق قد  يتجاوزوا  القياديتين رغم التلاعن الموجه من بعض القيادات المتوترة ذات الأجندات الخاصة داخل هذا الخلاف. سيخسر الشارع التونسي  كثيرا من هذا الخلاف وسيكون الجهد فيه وقتا حراما

_______________

*كاتب وأكاديمي تونسي

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان