جرس إنذار

مازلنا نقاوم قيماً فاسدة وأنظمة للبشرية خائنة ونظام عالمي بعيد عن العدل شديد التناقض وسعينا بكل ماأوتينا من قوة أن نجنب أهلنا العنف وأخطاره ولجأنا لكل وسيلة سلمية معروفة عسى أن يتغير الواقع
أحمد رامي*
![]() |
بينما أسير فى طرقات منفاي الإجبارى ساقتنى الأقدار لالتقى برجل فى الأربعينات من عمره كنت قد قابلته قدرا فى ميدان التحرير فى أيام حلمنا المسروق فى يناير 2011. هو يعمل بإحدي المهن الطبية، وكان من ضمن فريق العمل بالمستشفى الميدانى بالتحرير، ثم لم يتخلف عن أية محطات الثورة، لا مجلس الوزراء، ولا ماسبيرو، أو محمد محمود، أو العباسية.
وكان آخر لقاء لى به قبل فض رابعة بيوم يومها سألنى سؤالا أجابت عنه الأيام: هل من الممكن للجيش الذي خدمنا فيه يقتل مننا تانى، أم أن الذي حصل فى الحرس الجمهورى والمنصة كان استثناء؟، هل يعقل أن الجيش كان يخدعنا جميعا من يناير 2011 إلى الآن؟.
واترككم مع وصية صديقي لابنه التى أراها قبل أن تكون وصية فهى جرس. بعد الفض لم ألتقيه إلا من أيام بعدما باعدت المطاردات بينه وبين ابنه الطالب الجامعى فإذا به يحملنى رسالة طالبا منى أن أرسلها لابنه إن استطعت فكانت تلك رسالة إنذار لمن يعنى ويدرك نصها:
ولدي العزيز
هذه كلمات اعتذار لك وتبيان لما قد تسمعه عني غدا, وأعلم أنني كنت أحلم برؤيتك, وضمك, وكنت أنتظر سماع صدى ضحكتك تملأ أرجاء الزمان, ولكن حال بيني وبينك خطب جلل فخذ مني البيان.
ياولدي
عشت في هذه الدنيا زمنا سيطر القبح فيه على كل شيء حتى أمسى الجمال أسير جدران الماضي البعيد, وغدا كثير من الناس يهتفون باسم القبح في إجلال وخشوع, مثلهم كعابد متنسك يتلذذ بالخضوع.
لم أكن ياولدي وجيلي من هذا الصنف, ولم نتحمل الحياة في ظل هذه الأجواء، وكنا ننتظر بفارغ الصبر لحظة فارقة حتى جاءت النفحة الإلهية والجرعة العلوية التي أفرغت الجمال على كل شيء دفقة واحدة. فالهواء غير الهواء، والماء غير الماء، لقد تذوقنا لذة شرابها التي أسكرتنا من فرط الدهشة والإعجاب والإنبهار كالمخمور يسير في الطرقات لا يرى من حوله الأخطار، ولم ينتبه للمكان يعج بالذئاب, إنها الثورة تعم أرجاء المكان، وتوقظ الغافل من سبات عميق كأنك ترى أصحاب الكهف يستيقظون.
لقد بات المستقبل بين أحضاننا بعد فقد طويل نشم ريحه ونضم أحلامه ونستعد للقائه, فها أنا ذا أراك تمرح وتلعب, تتعلم وتنتج, تقرأ وتفكر, تعبد الله دون قيد أو شرط, ها أنا ذا أراك حرا طليقا فاعلا عظيما.
لقد عشنا المستقبل ياولدي قبل أن يأتي تخيلنا فيه إنسان كريم, وعالم بلا فقراء, وإبداع بلاحدود, وإيمان بيقين, وتخيلنا ياولدي أمتنا متحدة بثقافة تحمل الإخاء والتسامح، وتدافع عن الحق والقسط, وتخيلنا وتخيلنا ما يخطر على بالك، ومالايخطر.
لقد كان حلما عظيما أوشكنا أن نمسكه بأيدينا، ثم فجأة غاب عنا واختفى. فجأة ياولدي اسودت الدنيا أمام أعيننا ولست ياولدي أبريء نفسي وجيلي مما حل بنا ووطننا، ولكني سأعتذر عن جيلي بأنه كان يتنافس حول جمال المستقبل فلم ينتبه للقبح يخطط فرقته، ويستغل تنافسه، وينصب شباكه، وينقض عليه, لقد كان صراعا ياولدي بين الماضي والمستقبل فانتصر فيه حتى الآن الماضي وليس بيد المستقبل شيء إلا أن يقاوم عسى يأتي يوم قريب يحقق فيه نصرا.
ياولدي
مازلنا نقاوم قيما فاسدة، وانظمة للبشرية خائنة، ونظام عالمي بعيد عن العدل شديد التناقض، وسعينا بكل ما أوتينا من قوة أن نجنب أهلنا العنف وأخطاره، ولجأنا لكل وسيلة سلمية معروفة عسى أن يتغير الواقع الذي نحياه, ولكن ياولدي ماذا عساي أن افعل، وقد اغتصبت أمك، وأختك، وقتل أعمامك وأخوالك؟ هل تقف مكتوف اليدين تدعي ورعا كاذبا بالصبر على الأذى. أنا ياولدي عشت الصبر سنين طويلة وقبلت القبح يعيش بجواري ويتجلى كل شيء لكني بعد أن رأيت النور لا أستطيع أن أحيا في الظلام.
ثم ماذا عساي أفعل، وقد فقد منظومة العدالة صلاحيتها فتحولت إلى جارح يجهز على فريسته بدلا من كونها ملاذا للمستضعفين، وواحة إنصاف للمظلومين. لقد أضحت ياولدي آداة قتل في يد ذئاب لم تصن عرضا، ولم تصل رحما. لقد قالت لنا ياولدي “لستم أبناء هذه الأرض ولا تستحقون العيش فوقها”، ثم ياولدي قد أخرجونا من ديارنا بين مهاجر، وسجين، وفار بنفسه ضاقت عليه الأرض بما رحبت وضاقت عليه نفسه من شدة عجزه.
ياولدي
سيقولون لك الدم كله حرام، وأنا أقول لك هذه مقولة خادعة ظالمة، فدم القاتل المغتصب مستباح طالما غابت العدالة، أو تحولت في ذاتها إلى قاتل أجير, ولا يغرنك ياولدي الذين يقولون نرفض العنف من الطرفين فهؤلاء معسولي الكلام يساوون بين الجاني، والضحية، والقاتل والمقتول، والفعل ورد الفعل .
إن الذين يرفضون العنف من الطرفين هم في الحقيقة يرفضون العنف من الدولة مع الحفاظ عليها لكنهم حين يرفضون العنف من الطرف الأضعف يطالبون بالقضاء عليه لأنه إرهابي , هم يرفضون أن يعبر المرء عن مشاعر غضبه دون احتكام إلى قانون، لكنهم حين تمس الدولة التي هي آلة بلا مشاعر يطالبونها بإبداء الغضب وفرض سطوتها، وهيبتها، وإنهاء خصمها الذي يحمل السلاح الذي لا يحق لأحد حمله إلا الدولة، وما سيناء ياولدي منك ببعيد .
لا أدري ياولدي ماذا سيقول الناس عني ولا أهتم لذلك؟ كل الذي أدريه أني انتصر لفطرتي وبشريتي في رد عدوان المعتدي، ولقد صبرت عليهم حتى خفت على انتكاس فطرتي فما كان مني الا الدفاع عنها وعن مستقبلك , قد لا أكون على صواب من حيث أن هذه هي الطريق الأفضل والأصوب للتغيير ولكني أيضا لست مستعدا لتجرع الذل والقبح في كأس مرة ثانية، وأنا ياولدي لا أرتضي حياة بذل النفس وكآبة العيش والقبر خير لأبيك من الحياة في مستنقع المنتكسين.
لا تظن ياولدي أني أدعوك لليأس أو أطالبك بالموت، بل إني محب للحياة تائق للحرية مثلك تماما لكن هذه ليست حياة هذا موت في صورة الحياة، ولئن قبلته فقد أعدمت نفسي بعدد أنفاسي وإني قد قررت أن أحيا في الآخرة كي تحيوا أنتم في الدنيا والآخرة , وإني ياولدي أحب قومي وأطلب سعادتهم ومجدهم وكرامتهم فهل يأتي يوم قريب تسعد فيه معهم ؟ اللهم آمين.
___________________
*كاتب وطبيب مصري
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
