الدبلوماسية الجزائرية..الحصاد المر!

ظاهر الأشياء في الجزائر يبعث على الاعتقاد بأن الديمقراطية راسخة في البلاد، والتعددية واقع معاش، وحرية الرأي حق مضمون، يوميا، لكن واقع الأمر غير ذلك
نصرالدين قاسم*
![]() |
في ظرف أيام قليلة تلقت الدبلوماسية الجزائرية ضربات موجعة نغصت عليها فرحتها – السابقة لأوانها – بنجاحات تزعم تحقيقها في وساطات ومساع لم تثمر لحد الآن. فبعد رفض فصائل الأزواد المالية التوقيع على الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين الحكومة المالية وبعض أطراف النزاع لأنه لا يستجيب إلى تطلعاتهم إلى الحكم الذاتي، وجهت موريتانيا ضربة أصابت هذه الدبلوماسية الجزائرية في مقتل، ثم قطع البرلمان الأوروبي قول كل خطيب باتهام السلطات الجزائرية بالتضييق والتحرش بالناشطين الحقوقيين… بعد أن دانت منظمة فريدوم هاوس موقف الجزائر تجاه حرية التعبير، ووصفها الصحافة بأنها غير حرة في الجزائر..
أزمة طرد الدبلوماسي الجزائري من موريتانيا كان لها وقع كبير على السلطات في الجزائر، لأنها لم تكن تتوقع أن “تجرؤ” موريتانيا على خطوة بهذه الخطورة والحساسية.. ذلك لأن الجزائر ظلت تعتقد أن موريتانيا حليف “دائم” أحرص ما يكون على تحصين علاقاته بالجزائر والسهر على أن تظل “حسنة” لما يترتب عليها من “كرم” جزائري ومساعدات مالية ومادية, ونظرة الجزائر “البالية” للعلاقات الدولية أفقدتها القدرة على الترقب، وتوقع الأحداث. الأمر لم يعد يتعلق بمجرد مساعدات، أو يخضع لمنطق “اطعم الفم تستحي العين”.. لقد طرأت تطورات وفرت للدول بدائل وخيارات منحتها القدرة على التحرك.. وهذا ما يكون قد شجع موريتانيا على “الانقلاب” على الأخت الكبرى في المنطقة..
إن “شبهة” محاولة الإساءة أو إلحاق الضرر بعلاقاتها مع المغرب التي وسمت بها موريتانيا الدبلوماسي الجزائري، و”الادعاء” بأنه سرب معلومات خاطئة لصحفي موريتاني وضلله، مفادها أن موريتانيا أودعت شكوى لدى الأمم المتحدة تتهم فيها المغرب بإغراقها بالمخدرات، لم تكن – أي الشبهة – ولو ثبتت لتدفع موريتانيا إلى هذا الرد القوي لو لم تكن تملك وسائل سياستها أو على الأقل ضمانات تقيها غضب الجزائر، وبدائل تعوضها الخسائر المرتقبة جراء استعداء الجزائر، وآثار الانتقام الجزائري المنتظر..
الجزائر وإن ردت على موريتانيا بالمثل وزادت على ذلك كيل بعير، ولا يُعلم إن أردف ذلك إجراءات أخرى تأتي بها الجزائر, أن تؤتي جارتها المعوزة، فإنها لا تزال تحت الصدمة، ليس جراء “الخبطة” الموريتانية فحسب بل لما ستواجهه من متاعب مستقبلا، فقد أصبح كل شيء ممكنا، وثبت لها أن لم يعد في العلاقات بين الدول “صديق دائم أو شقيق”، ذلك لأن المتحكم في تطور العلاقات الدولية، ومحدد ردود الفعل الديبلوماسية، متغيرات عدة لا يجب إغفالها، أو الاستهانة بقدرتها على قلب الأشياء رأسا على عقب..
السلوك الموريتاني الذي اعتبرته الجزائر إهانة لها ونكرانا للجميل وإن ضمنيا، أصبح أكثر إيلاما، عندما وجدت الجزائر نفسها مباشرة بعد هذه الحادثة في موقع دفاع أيضا عن تهمة أخرى جاءتها سهامها من بلد “العم سام” في موضوع حرية الصحافة.. منظمة فريدوم هاوس “وبخت” الجزائر بسبب الغلق والتضييق الذي تمارسه على الصحافة والصحفيين ووسائل الإعلام بصفة عامة.. المنظمة الأمريكية غير الحكومية لم تذهب من أبواب متفرقة لتحكم على أن الصحافة في الجزائر “غير حرة”.. حكم وقع كالصاعقة على المسؤولين الجزائريين وهم يحتفلون باليوم العالمي لحرية التعبير، ويتباهون بالتعددية الإعلامية وتنوعها، وانتشار الفضائيات كالفطريات..
ثم جاء البرلمان الأوروبي من بروكسل يسعى “ليرمي الجزائر بثالثة الأثافي”.. مؤسسة بروكسل أصدرت لائحة خاصة بالجزائر أكدت فيها أن :”.. التضييق والتحرش بالمناضلين من أجل الحق في العمل، والمدافعين عن حقوق الإنسان بما في ذلك على المستوى القضائي، ممارسات غير مطابقة لإعلان الأمم المتحدة حول المدافعين عن حقوق الإنسان”، وطالبت في اللائحة ذاتها السلطات الجزائرية بــ:” ضمان الحق في حرية التعبير وتأسيس الجمعيات، وعقد الاجتماعات السلمية في البلاد”.. الخارجية الجزائرية استشاطت غيظا على التهمة الأوروبية واستنكرتها، واعتبرتها “منافية تماما للروح التي تميز علاقات الحوار والتعاون بين الجزائر والاتحاد الأوروبي، والديناميكية التي تشهدها علاقات الجزائر مع دوله الأعضاء”..
لم تكن الجزائر لتُقنع المنظمات الدولية أن حرية التعبير في الجزائر بخير وهي تحتكر الإشهار لتبتز به وسائل الإعلام وتوزعه بطريقة غير عادلة لا تراعي فيه أي معيار، وتضيق على الجرائد والقنوات وتوقف بعضها وتهدد البعض الآخر.. وتحبس صحفيا أشهر عديدة دون محاكمة، وهذه هي الطامة الكبرى.. عبدالحي عبدالسميع مراسل يومية “جريدتي” المتوقفة يقبع في الحبس الاحتياطي منذ 18 أغسطس آب 2013، دون محاكمة بتهمة مساعدة مدير صحيفة “جريدتي” – الممنوع من السفر – على مغادرة البلاد عبر الحدود الجزائرية التونسية.. وتتابع السلطات آخرين قضائيا، وتعاقب بعض المراسلين بسحب اعتماداتهم، وتطارد الناشطين في شبكات التواصل الاجتماعي.. فقد “جنت على نفسها براقش”..
ظاهر الأشياء في الجزائر يبعث على الاعتقاد بأن الديمقراطية راسخة في البلاد، والتعددية واقع معاش، وحرية الرأي حق مضمون، وحرية التعبير ممارسة يومية، لكن واقع الأمر غير ذلك.. فمن بين زهاء 148 جريدة يومية لا يعرف الجزائريون منها سوى خمس أو ست، ولا تعبر عن آرائهم ولا تنقل انشغالاتهم وتطلعاتهم.. ورغم لجوئها إلى طريقة “معوجة” في فتح المجال السمعي البصري، فإنها لم تعتمد من أصل أكثر من 33 قناة إلا 5 منها بصفتها مكاتب لقنوات أجنبية، لأن القانون لحد الآن لا يسمح بفتح المجال السمعي البصري للقطاع الخاص. حقيقة أن السياسيين والصحفيين في الجزائر يقولون ما يشاؤون وينتقدون كيفما يشاؤون، لكنهم لا يؤثرون ولا يقلقون من السلطة، إنها حرية “الكلام” التي لا تترك أثرا ولا تصنع رأيا عاما.. لأن السلطة من جهتها تفعل ما تشاء وتقرب إليها من تشاء وتغدق على من تشاء، وتقصي من تشاء ولا تلقي لأحد أي بال.. غير أنه إذا جاءتها “الانتقادات من وراء البحر ترتعد فرائصها، وتحسب لها ألف حساب وذلك هو ديدنها دائما. وهذا الحصاد من ذاك الزرع..
_______________
*كاتب وصحفي جزائري
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
