“اللي مني مزعلني”.. أغنية النرش والنقيب

كثير من المصريين لم يبلعوا الطعم وتنبهوا إلى أن الصراع” النرشى – الشرطي” -في واقعة المطار- هو صراع وهمى داخل البيت الواحد.

محمد منير*

الأسبوع الماضي فرض مشهد واحد نفسه على حياة المصريين وسلب كل اهتمامهم وأخرجهم بضعة أيام من دائرة المشكلات السياسية التقليدية. والمشهد يدور حول حادث اعتداء سيدة أرستقراطية على ضابط شرطة فى المطار وأهانته وأهانت مؤسسة الدولة كلها .. السيدة تسب وتلعن وتستخدم يدها بأدنى الحركات ولسانها بأفظع الألفاظ بينما الضابط يقف أمام هذا الاعتداء صامتا صمت  محرج يتحدث في حياء كأنه بنت بكر في خدرها ليلة الدخول عليها!

اعتاد المصريون استقبال المشاهد والأحداث بطريقتهم وتفعيلها مع تفاصيل حياتهم وثوابتهم، ولهذا فمجتمع التفسير والتأويل المصري من أثري المجتمعات في هذا المجال.

الشريك الثاني في المشهد مع السيدة الأرستقراطية ضابط ينتمى لجهاز الشرطة المصرية الذي تعرض لهجوم إعلامي شديد منظم خلال الأسابيع الماضية حول تجاوزاته وعودته الى عنف وانحرافات ما قبل ثورة 2011 ، وهو الهجوم الذى استقبله المصريون بترحاب شديد وريبة أشد حول الدوافع التي دفعت الإعلام في هذا التوقيت إلى الهجوم على أهم جهاز في الدولة، وخاصة أنه إعلام ليس له كرامات مهنية تذكر إلا التسبيح بحمد الدولة والطواف حولها.

 وجدت قيادات الجهاز المأزوم نفسها في مشكلة دوافعها و روائحها تخرج من ممرات النظام نفسه وأروقته، وأدواتها غير تقليدية وغير متوقعة فكان لزاما عليها التفكير في حل غير تقليدي يخرجها من هذه الأزمة غير التقليدية من جهة، ويمهد طريق الغفران والتبرير لعنف الجهاز السيادي فى مجال الأمن السياسي والذى لم يتوقف قط طوال السنوات الأربع الماضية.

الحل كان يتمثل ببساطة في تحويل الجلاد الى ضحية حتى يتم غض النظر عن كل جرائمه وإجرامه في السنوات الماضية، وكات حادثة النرش والنقيب، والتي ظهر فيها ضابط الشرطة في صورة مثالية مبالغ فيها، وكأنه ملك من ملائكة الروايات الخيالية يقابل الاساءة المبالغ فيها بالإحسان المفرط، وفجأة تحول وجه الشرطة التاريخي المعروف بقبحه وعنفه إلى وجه ملائكي ناصع البياض شديد الابتسام.

وبالطبع وعند اختيار أطراف النزاع في المشهد الاستشهادي الشرطي لم يكن من الممكن جعل الطرف المواجه للشرطة من أبناء الشعب البسطاء فعنف الجهاز معهم طوال السنوات الماضية خلق من المبررات ما يفسر أي مواجهة عنيفة من الشارع البسيط  ضد الشرطة، ولهذا ومن أجل جلب أكبر قدر ممكن من التعاطف الإنساني مع أفراد الشرطة كان لابد من إخراج المشهد على طريقة ” اللي مني مزعلني، وحتى يثير شجن بسطاء المصريين فى هذا المحور الإنساني الذى تناولته كثير من أغانيهم وقصصهم الشعبية، ولهذا كان لابد أن يكون المشهد بين الضابط وأحد أفراد المجتمع الذى خُلق هذا الجهاز أساسا من أجل حمايته والانحياز له فكان مشهد “ياسمين النرش والنقيب”، بين سيدة ارستقراطية تنتمى لأعلى الطبقات فى المجتمع، وأكثرها ثراء وضابط شرطة يحمل رتبه متوسطة وهى تهينه و”تمرمط” بكرامته الأرض، وهو صامت ينظر بخجل الى الأرض ويتحدث بصوت منخفض، فيعيد الى أذهاننا مشاهد الروايات التي تظهر فيه  سيدة القصر وهى تنهر “عبده السفرجي” وتصدغ وجهه بكف ساخن ، وهو المشهد الذى كان يلهب عاطفة المتفرجين ويجذب تعاطفهم مع “عبده” رغم أنه خادم السيدة وتابعها الأمين وحارسها الخاص.

كثير من المصريين لم يبلعوا الطعم وتنبهوا الى ان الصراع” النرشي – الشرطي” هو صراع وهمى داخل البيت الواحد، فلو حدث أن وقعت السيدة ياسمين النرش فى نزاع مع مواطن بسيط ولجأ المواطن لنفس الضابط أو غيره فسيكون “النفخ” من نصيب المواطن المسكين، كما أن “مدام النرش” بحكم النسب والمصاهرة الرسمية ليست بعيدة عن النظام فقد نشأت في مجال أسرى يحمل الخلطة السرية بين السلطة والمال ، فوالدتها كانت زوجة لممدوح البلتاجي وزير السياحة الأسبق والأهم رئيس الهيئة العامة للاستعلامات سنوات طويلة عُرف خلالها بعلاقته الوطيدة بأجهزة المخابرات، ووالدها  أحد كبار رجال الاعمال فى مصر، وهى تعيش مع ابنتها في معسكرات الصفوة التي تكره وتحقد على باقي الفئات الشعبية.

والحقيقة أن الخلطة السرية بين السلطة والمال هى خلطة اعتادت هذه الطبقة تعاطيها؛ فنجد مثلا حبيب العادلي وزير الداخلية الاسبق يتزوج من طليقة رجل أعمال ثرى، ويبدو وكأنهم لا يتذوقون إلا نوعا واحداً، أو أنهم يحافظون على النوع على طريقة الملكية البريطانية.

ورغم ذلك فإن الثوابت الأخلاقية جعلت البعض من المصريين يتعاطفون مع الضابط الذى وقف صامتا أمام “شرشحة” سيدة القصر بطريقة لا تتفق مع المزاج المصري في نظرته للمرأة.

وكما قلت فقد تعامل بعض المصريين مع المشهد بنظرية اللهم سلط الكفار بعضهم على بعض، أو اللهم اضرب الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين.

 إلا أن هذا الوعى المتميز لدى البعض لم يدرك أن هذا الضرب بين الظالمين هو ضرب وهمى لن نخرج منه سالمين وإنما الغرض أن نخرج منه مغيبين وربما مغفلين.
________________

*كاتب وصحفي مصري 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان