فتح القسطنطينية بين الأسطورة والواقع

ولكن فتح قسطنطينية كما جرى في الواقع ليس مثيراً، وليس فيه جاذبية كفاية، لذلك لا ضير من البقاء في الروايات الأسطورية
عبد القادر عبد اللي*
![]() |
هل لسحر القسطنطينية دور بنسج كل هذا العدد من الأساطير حولها؟
يصادف يوم التاسع والعشرين من أيار/ مايو هذا العام الذكرى 569 لفتح القسطنطينية أو سقوطها كما تسميه الأدبيات الغربية. وبقدر ما فتح هذه المدينة/ سقوطها غيّر وجه التاريخ، ومجراه، بقدر ما تحاك الحكايات التي يتم تناولها على أنها حقائق لا يأتيها الباطل من أي جنب حول هذا الفتح. خاصة وأن فتحها ورد في الحديث الشريف بأكثر من رواية منها رواية أحمد في مسنده: بينما نحن حول رسول الله (ص) نكتب إذ سئل رسول الله (ص) أي المدينتين تفتح أولاً قسطنطينية أو رومية، فقال رسول الله (ص) مدينة هرقل تفتح أولاً، يعني قسطنطينية. وهناك حديث آخر يقول: “لتفتحن القسطنطينية ولنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش…
فمن التسمية إلى قصص الثغرات التي فتحت في الأسوار الحصينة بواسطة أولياء الله إلى تسيير السفن في البر مما يحاك حول قضية الفتح، هل هي حكايات لمجرد المتعة؟ وإذا كانت كذلك فأين هي الحقيقة في الفتح؟ لعل الحقيقة مازالت حتى الآن مخبوءة في مكان ما، أو مخبّأة لا يراد لها الظهور لكي لا تفسد هذا السحر.
راق لحكام المدينة الجدد العثمانيين تسميتها قسطنطينية كما هي بالعربية، وهذا الاسم في الحقيقة تعريب اسمها قسطنطينبول. وقسطنطين الأكبر هو الإمبراطور المؤسس، و”بول” لاتينية تعني “مدينة”، ومعنى الاسم بكل بساطة مدينة قسطنطنين، ولذلك عربها أجدادنا إلى قسطنطينية.
في بدء مرحلة الضعف، وبنوع من ردة الفعل سُميت في القرن الثامن عشر بفرمان سلطاني: “إسلامبول”، وهي بهذا تعني مدينة الإسلام، ولكن المراجع العربية تُصر على تفسير غرائبي لاسم المدينة لتقول: “الإسلام واسع أو كثير” اعتماداً على تشبيه كلمة بول اليونانية بمثيلتها التركية التي تعني “واسع”، وتطبّق هذه المقولة على مدن غيرها تنتهي بمقطع بول…
يقول المؤرخ التركي الكبير إلبر أورطايلي المتخصص بالتاريخ العثماني في إحدى رواياته عن اسم المدينة: اسطنبول مشتقة من عبارة: “ستينبول/ نحو المدينة” وقد لفظ اسمها “اسطنبول” العرب المسلمون الأمويون عند حصارهم لها. وبهذا ينسب المؤرخ التركي التسمية برسمها “اسطنبول” للعرب، وعلى الرغم من هذا يصر العرب على كتابتها “استانبول” باللفظ الفرنسي أو الانكليزي ويتخلون عن لفظتها التي أطلقوها عليها في زمن معاوية بن أبي سفيان.
ويذكر الروائي التركي أورهان باموق في كتابه الذي يحمل اسم “اسطنبول – المدينة والذكريات” بأن اسمها محرّف من قسطنيطنبول وقد خفف الجزء الأول من الاسم.
وإذا كانت الحكائية تقتصر على تناول هذا الاسم فقط، فمن المعلوم أن للمدينة عدداً كبيراً من الأسماء مثل بيزنطة، نيا روما، أستانة، درعلية، دار الخلافة العلية، دار السعادة، باب السعادة، وأسماها السلاف تساريغراد
يروى بأن محمد الثاني فاتح القسطنطينية، وأطلق على نفسه لقب إمبراطور روما، سيّر السفن بالبر عند الفتح. وأذكر أن أستاذي دوغان أكسل عندما نفّذ مشهد الفتح في فيلم سينمائي خلال السبعينيات من القرن الماضي -أي بتوفر التقنيات والمؤثرات- استغرق تسيير مجسمات السفن صعوداً من البوسفور على مجسمات تلال اسطنبول، ونزولاً منها لتصل إلى خليج القرن الذهبي فترة أطول بكثير مما تحكيه الأسطورة. إذ يقال بأن الأسطول بدأ بالسير على البر مساء عندما أظلم الجو، ووصل إلى الخليج صباحاً قبل شروق الشمس. وكان هذا النزول هو الحاسم في عملية الفتح.
أثبت كثير من الباحثين عدم القدرة بأية تقنية كانت من إنجاز تسيير أسطول بحري على البر، وخاصة البر الذي يصعد إلى نقطة ترتفع عن سطح البحر مائة متر في مسافة قصيرة بين بحرين هما البوسفور وخليج القرن الذهبي، ولكن قصة تسيير السفن في البحر ودفعها بواسطة عدد كبير من الجنود فوق جذوع أشجار لعبت دورَ العجلات أثناء عملية شد السفن من الأمام بواسطة الحبال، ودفعها من الخلف بواسطة الأيدي، وفتح أشرعتها لتلعب الريح دوراً مساعداً في تسييرها أثناء الشد نحو الأعلى، وتخفيف سرعة نزولها بعد عبورها الذروة نزولاً
هكذا تروي الأسطورة التي تعتبر حقيقة دامغة نزول الأسطول البحري العثماني متجاوزاً الجنزير الضخم الذي كان يلعب دور الباب المغلق بوجه الداخلين إلى القسطنطينية من الخليج.
في الواقع إن فتح القسطنيطينة أحد أهم أحداث التاريخ، وكان عبارة عن انتصار قوة ناهضة أمام قوة عجوز أكملت دورتها التاريخية، وتآكلت، وتكاثر عليها الأعداء التابعين للبابوية والدول الأوربية بسبب الخلاف المذهبي، وكان هناك جزء منها أو مدينة لصيقة بها تابعة لجنوة إحدى الجمهوريات الإيطالية، أي أن الإمبراطورية البيزنطية لم تكن سوى قسماً كبيراً من مدينة قسطنطينية فقط، وكانت هذه المدينة قد وقعت بيد الفرنجة الذين أطلقوا على أنفسهم اسم الصليبين من قبل، ثم ورثنا هذا الاسم أيضاً. ليأت محمد الثاني ويوجه ضربته القاضية الأخيرة، ويدخل المدينة فاتحاً.
ولكن فتح قسطنطينية كما جرى في الواقع ليس مثيراً، وليس فيه جاذبية كفاية، لذلك لا ضير من البقاء في الروايات الأسطورية
________________________
*كاتب سوري متخصص في الشأن التركي
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
