دوّامة البترول في تونس

موقف “المرزوقي” ينسجم مع الدستور الذي كُتب في عهده. فقد جاء في فصله الثالث عشر “الثروات الطبيعية ملك للشعب التونسي”.. يتبع.
![]() |
عبد الرزاق قيراط*
مَنْ تدخّل في “البترول” سمع ما لا يرضيه! فالحديث عن الثروات الطبيعيّة في تونس لا يعني المواطنين، ولعلّه من المحرّمات التي يُمنع الخوض في شأنها، والنظر فيما يتعلّق بملفاتها من فساد أثبتته أجهزة رقابيّة في الدولة. لا مجال للسؤال عن حجم تلك الثروات، وملعون في وسائل الإعلام من يطالب بالكشف عن أسرار صفقاتها وما يتداول حول تفريط مشبوه قامت به وزارة الصناعة والطاقة والمناجم في عهد الحكومات السابقة لصالح الشركات العالميّة وأنفار متنفّذين من أبناء هذا الوطن، جزاءً لهم بعد أن سهّلوا الاستحواذ على تلك الغنيمة بواسطة التشريعات، والتعتيم والإخفاء لكلّ المعلومات خرْقاً منْ بعد خرْقٍ في ظلماتٍ ثلاث، ظلمةِ الحكومة، وظلمةِ القضاء، وظلمةِ الإعلام.
ومع ذلك، خرجت مسيرة حاشدة لشباب الثورة في ذات الشارع الذي احتضنهم يوم الرابع عشر من يناير 2011، حيث نادوا بمحاسبة الطغاة الفاسدين. فكان طبيعيّا أن تتشابه الشعارات ويكون جديدها قياسا على قديمها: “البترول استحقاق يا عصابة السراق”.. وقد نجحوا بإصرارهم في اختراق الطوق الأمنيّ، ونظّموا استعراضا احتجاجيّا مشهودا أثبتَ فاعليّة الحملة التحسيسيّة التي اتخذت من مواقع التواصل الاجتماعي ميدانا للحشد، حيث رُفعت يافطة “وينو البترول؟”، السؤال الإنكاريّ الذي يطالب بالشفافيّة والمصارحة بخصوص “الثروات الطبيعيّة المنهوبة”. فالتقارير المتداولة تثبت أنّ أعمال التنقيب والاستخراج ناشطة في شمال البلاد وجنوبها، وفي شرقها وغربها، دون أن يرافقها مردودٌ إيجابيّ على مستوى التشغيل وتحسين البنية التحتيّة للمناطق التي غزتها تلك الشركات.
وللتمثيل على ما يحدث من شبهات، سأذكر ما عاينتُه بنفسي في مسقط رأسي، جزيرة “قرقنة” التي أنجبت مناضلَيْن كبيريْن من زعماء الكفاح الوطنيّ والنقابيّ، هم:ا الشهيد “فرحات حشاد” الذي سقط برصاص الاستعمار، والراحل “الحبيب عاشور” الذي عاصر “بورقيبة” وشاكسه على مدى حكمه، وكانت قيادته للاتحاد العام التونسي للشغل نضالا مريرا أدخله السجن في مناسبات عديدة. وبتلك المشاكسات دفعت جزيرة قرقنة الثمن باهظا فحُرمت من كلّ مظاهر التنمية، وظلّت لعشرات السنين خالية من كلّ المشاريع الموعودة. ومع ذلك، وبسبب الإهمال الحكوميّ المتعمّد أو بفضله، اشتهرت عند زوّارها بوصفها ملاذا من زحمة العالم وضغط المدنيّة الحديثة. فزارها الأدباء والشعراء والمشاهير من كلّ حدب وصوب، وقال عنها الكاتب المغربيّ محمّد بنيس في كتابه (العبور إلى ضفاف زرقاء): ” كانت لحظة النزول إليها شبيهة بالنزول في زمن بدء الخليقة، سكّان وزائرون يقطعون البحر لينتقلوا إلى زمن منسيّ..، من أيّ نفس نشأت هذه الجزيرة؟ لا تسأل عن الزمن هنا”.
ولكنّ الزمن يمرّ، والمشهد الطبيعيّ في جزيرتنا الهادئة يتغيّر بسرعة بعد اكتشاف الغاز والبترول، الثروةِ التي لا نعرف من يقبض ثمنها. فهي لم تغيّر حال الناس إلى الرفاه المنتظر، بل صارت تمثّل عنصر تهديد لبيئة الجزيرة ولثروتها السمكيّة التي تناقصت بشكل خطير. ولأنّ الحكومة تقول إنّ تلك الشركات تساهم في تنمية المناطق التي تنشط بها، سألتُ صديقا يعمل في إحداها، فأخبرني ضاحكا مستهزئا إنّهم بنَوْا عددا لا بأس به من المطبّات في طرقات الجزيرة للوقاية من حوادث السير!
إنّها عيّنة صغيرة تثبت أنّ شركات البترول التي تعمل من دون حسيب ولا رقيب في أرجاء البلاد التونسيّة إنّما تمثّل أخطر مطبّ ابتلي به التونسيون، باعتبارها لا تساهم إلاّ في تنمية أرباحها، ولا تقدّم شيئا لمقاومة البطالة والفقر.
لذلك أحرجت الهبّةُ الجديدة أكثر من جهة، وفضحت قيادات حزبيّة قطعت شوطا كبيرا في الابتعاد عن مشاغل الشارع التونسي، وتنكّرت نهائيّا لأهداف ثورته التي بذلت لها دماء الشهداء. وأجبرت من جهة أخرى وسائل الإعلام على فتح ذلك الملفّ المقفل بالشمع الأحمر، والخوض في بعض التجاوزات التي يزخر بها.. وفي هذا الباب، كثر الحديث عن العدّادات المعطّلة في الحقول النفطية بحيث لايمكننا قياس الكمّيات التي تضخّها على مدار الساعة. وإنها لمفارقة مثيرة للسخرية، فعدّادات الكهرباء والماء والغاز في بيوت المواطنين تحاسبهم بمثـقال الذرّة، ولا تغادر قطرةً من ماءٍ أو ومضةً من ضياءٍ، أو حُبَيْبَةً من غازٍ إلاّ أحصتها وأثقلت بها الفواتير. وعندما يطالب المواطنون بفاتورة الآبار وما تضخّه بالليل والنهار، يقوم في البلاد منكر ونكير.
ومن بين المنكرين الذين تمّ استغلالهم لاطفاء الحريق، والضغط على الحراك المُطالب بكشف التجاوزات، ظهر في الصف الأماميّ قياديّون من حركة النهضة بتصريحات متخوّفة من خطورة “الوقوع في الفوضى”. فقال الشيخ راشد الغنوشي:”تونس لا تنتج نصف ما تستهلك من البترول والقول بأنّنا نسبح فوق بحر من النفط مغالطة ووهم، من يدّعي وجود ثروات طاقيّة غايته نشر الفوضى”. وكان لافتا أنّ وسائل الإعلام ، استغلّت ذلك الموقف، وحوّلته إلى عناوين رئيسيّة في نشرات أخبارها المكتوبة والمسموعة والمرئيّة بطريقة جعلت من حركة النهضة وحدةَ إطفاءٍ تعمل مع الحماية المدنيّة، مهمّتُها إسعافُ الحكومة ونصرتُها ظالمةً أو مظلومةً، انطلاقاً من صلة الرحم، وعملاً بما جاء في أغنيةٍ هزليّةٍ يقول مطلعها: “شبكنا الحكومة وبقينا حبايب!”
وأجمع الإعلاميّون، من جهة أخرى، كما جرت عادتهم، على شيطنة “المرزوقي” فاعتبروه مسؤولا عن تلك التحركات الجماهيريّة الغاضبة. الأمر الذي لم بفاجئ الرئيس السابق، فأجاب ببيان نَصُوحٍ قال فيه: “ها أنا أُتَهم بأنّني وراء حملة “وينو البترول”، والفرق هذه المرة أنها تهمة باطلة ومشرّفة. برافو للشباب الذين أطلقوا الحملة. إنّها دليل على تبلور ظاهرة جديدة، الرقابة الشعبية، وتنامي حسّ المواطنة. سؤال (وينو البترول) ألقاه جزء من المواطنين على الدولة. والردّ لا يكون بالسخرية والاحتقار وإنّما بالاحترام والمسارعة لبعث لجنة برلمانيّة مستقلّة تستدعي كل الأطراف وتسمع من الجميع في إطار حصص استماع كالتي تقع في الكونغرس الأمريكي وتحت أنظار الجمهور بالنقل التلفزي المباشر”.
إنّ موقف “المرزوقي” سواء كان متورّطا في الحملة أو بريئا منها، ينسجم مع نصّ الدستور الذي كُتب في عهده. فقد جاء في فصله الثالث عشر: “الثروات الطبيعية ملك للشعب التونسي، تمارس الدولة السيادة عليها باسمه. وتعرض عقود الاستثمار المتعلّقة بها على اللجنة المختصّة بمجلس نوّاب الشعب، وتعرض الاتفاقيات المبرمة في شأنها على المجلس للموافقة”.
غير أنّ التشنّج الذي قوبلت به الحملة في وسائل الإعلام وفي ردود بعض المسؤولين المنكرين والمستنكرين، سيثير المزيد من الشكوك، ولن يعمل على طمأنة الرأي العام. كما لن يفيد الحكومةَ هروبُها إلى الأمام، فما كلّ مرّة تسلم الجرّة، جرّة البترول. عليها بالمصارحة والمحاسبة والإصلاح، وإلاّ فآخر الدواء الكيّ، بالبترول!
___________________
*كاتب تونسي
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
