تطابق الرؤى”.. يفجر أزمة صامتة بين الجزائر ومصر السيسي!

![]() |
نصر الدين قاسم*
كانت الجزائر السباقة إلى مساعدة النظام الإنقلابي في مصر على الولوج إلى الساحة الدولية بعد العزلة الدولية التي واجهته في أيامه الأولى.. ولقناعات غير ديمقراطية راسخة لدى النظام في الجزائر ومعاداته للحركات الإسلامية لم تجد السلطات الجزائرية حرجا في الاعتراف بشرعية هذا النظام، وتزكيته ولو باستحياء.
والأغرب من ذلك أنها كانت أول من انتهك مبدأ عدم الاعتراف بالأنظمة الانقلابية في أفريقيا، عندما ألقت بثقلها في الاتحاد الأفريقي لرفع التجميد الذي فرض على عضوية مصر بعد الانقلاب.. ومعروف أن الجزائر كانت السباقة إلى المرافعة من أجل تبني قرار عدم الاعتراف بالأنظمة الانقلابية في الاتحاد الافريقي والدفاع عنه كمبدأ ديمقراطي في قارة أنهكتها الانقلابات العسكرية وأثقل كاهلها حكم العسكر.
شيطنة البدائل
الجزائر وفي الحالة المصرية خانت “أحد مبادئها” المعلنة وأحبطت مفعول أحد أكبر المكتسبات الديمقراطية في أفريقيا، وأفرغته من محتواه بإنقاذ نظام السيسي من عزلة كانت ستردع كل من تسول له نفسه التفكير في تدبير انقلاب على سلطة شرعية منتخبة ديمقراطيا.
خطوة الجزائر باتجاه مصر لم تكن حبا في السيسي أو تأييداً لظاهرة الانقلابات العسكرية بقدر ما كانت كرها في الإسلاميين، ووفق إستراتيجية وقائية أوسع قوامها الحيلولة دون تغير قواعد اللعبة وأركان الأنظمة القائمة في المنطقة، وتعميم التجربة الجزائرية في تغيير طبيعة الأزمات السياسية بـ “شيطنة” البدائل الحقيقية وتقديم الوضع الحالي على أنه أفضل ما يمكن أن تحلم به شعوب المنطقة، وأن غيره هو الدماء والدموع والدمار.
هذه “الخدمة” التي لم يكن يحلم بها الانقلابيون في مصر، أملتها تطورات آنية قد تؤسس لمرحلة جديدة يحرص الجانبان على ألا تخرج عن سيطرتهما داخليا وإقليمياً، غير أنها لم تلغ ما بين البلدين من اختلاف في الرؤى وتنافس، ولم تغط على تباين مواقف البلدين من أهم القضايا الأفريقية منها والعربية وحتى الدولية.. زيارة وزير الخارجية المصري إلى الجزائر وما حظي به من استقبالات على أعلى المستويات، من رئاسة الجمهورية إلى وزارة الخارجية مرورا برئاسة البرلمان ورئاسة الحكومة حركت السواكن، وخضخضت المياه الراكدة في العلاقات بين البلدين.
تفجر الأزمة
لم يرشح من الطرفين ما يثبت إن كانت الزيارة بعد أزمة انفجرت بين البلدين، أو أنها كانت سببا في تفجير هذه الأزمة، لكن الجميع اكتشف أن ثمة شيئاً غير عادي يدب في هذه العلاقات مباشرة بعد تصريحات سامح شكري عقب استقباله من طرف رئيس الجمهورية عندما قال للصحفيين: “.. كان هناك تطابق في الرؤى وتفاهم مشترك بين الجزائر ومصر حول العمل بما يخدم القضايا والتضامن العربي”.. حديث شكري عن “تطابق في وجهات النظر” استوقف الكثير من المحللين، وأثار تعليق الكثير من الإعلاميين نظرا للاختلافات الجوهرية المعروفة بين النظامين تجاه كل القضايا الكبرى التي تشغل الرأي العام العربي.. فقد أجمعت التحليلات الاعلامية على أن “التطابق” هو تطابق في الواجهة، مجرد كلام ديبلوماسي يجانب الحقيقة ويخفي خلافات جوهرية وتناقضات كبيرة.
فالجزائر ومصر تقفان على طرفي نقيض في الأزمة الليبية واليمنية ومسألة القوة العربية المشتركة، وحتى في الأزمة السورية، والنزاع في مالي وغيرها لا يمكن الحديث عن تطابق في وجهات النظر.. ولم تتأخر تطورات الأحداث بعد تصريحات شكرى لتفرز ما يمكن اعتباره مؤشرات أزمة بين البلدين وصراع محموم لفرض وجهات النظر لحل أمهات القضايا التي تهم البلدين سواء في ليبيا أو مالي أو اليمن وحتى على صعيد العالم الإسلامي.
. لتجدد الجزائر رفضها الحل العسكري في ليبيا، واليمن وتؤكد على الحل السلمي ورفض التدخل الأجنبي في كل النزاعات الداخلية للدول، وترفض المشاركة في عملية عاصفة الحزم العسكرية، وتُرَسِّم رفضها المشاركة في القوة العربية المشتركة بعدم حضور قائد أركان الجيش الوطني الشعبي، نائب وزير الدفاع الوطني، الفريق قايد صالح، اجتماع القاهرة الثاني نهاية الأسبوع الماضي، لإنشاء قوة عسكرية عربية موحدة والذي حضره 21 رئيسا من رؤساء أركان جيوش الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية.
قيادة المنطقة
هذه الأزمة الصامتة تزامنت والكشف عن “تغريدات” لم تكن خارج السرب لوزيرة الخارجية الامريكية السابقة هيلاري كلينتون، تحدثت فيها عن صراع زعامة محموم بين الجزائر ومصر لقيادة المنطقة سواء في المغرب العربي وإفريقيا أو على الصعيد العربي.. تغريدات المرشحة للرئاسيات في بلاد “العم سام” دعمت ما كان يعتقد أنه مجرد تحاليل أو تركيب أحداث رتبتها الصدفة أكثر مما هي بوادر صراع أو مؤشرات أزمة.. فانتقل الحديث عن بوادر أزمة إلى التأكيد على أزمة حادة بين الجزائر ومصر لم يجرؤ أي طرف أن يجهر بها أو أن يسميها باسمها أو أن يفقأ ورمها، ولكل حساباته وتوجساته ومخاوفه، فكل طرف يعرف كيف يمسك غريمه من اليد التي تؤلمه.
الأزمة الحالية لا علاقة لها بأزمة الكرة التي انفجرت بين البلدين واستُثمر فيها وأريد لها أن تنتقل إلى عداوة بين الشعبين لأول مرة في تاريخ البلدين، الأزمة الحالية هي أزمة بين نظامين تجمعهما سمات مشتركة وتصورات متناقضة، وتحركهما مقاصد متشابهة ويتنافسان في مساحة واحدة على أهداف لا تقبل القسمة على اثنين.
لكن هذه الأزمة وإن كانت صامتة فإنها ما انفكت تتفاقم ولا يبدو أن الصراع سيحسم لأي من الطرفين في الأجل المنظور ذلك لأن العامل الذي ظل محددا في مثل هذه النزاعات دوليا هو ما تجود به عليهما القوى الكبرى خاصة أمريكا وفرنسا، وما تسمحان به، وعربياً الموقف السعودي الذي حيثما مال تميل الكفة وعادة ما كانت تميل إلى مصر. الجديد هذه المرة أن السعودية في ورطة اليمن، ولا يبدو أنها راضية عن “الحليف” المصري، ولا متحمسة “للشقيقة” الجزائر فالبرودة تستبد بعلاقات المملكة مع البلدين.
الإدارة الجديدة في بلاد الحرمين بقيادة الملك سلمان بن عبد العزيز، لم تعد “تستلطف” السيسي، وأضحت تعتبره عبئا كبيرا أضر بصورة المملكة، ولم تخف امتعاضها من موقف الجزائر من الأزمة اليمنية ورفضها الانضمام إلى القوة العربية، وتحفظها من سياسة الجزائر في مكافحة ما تسميه الإرهاب، واتهامها لها بالتقصير في مواجهة ما يعرف بتبييض الأموال.
الأزمة الصامتة بين الجزائر ومصر هي إحدى تجليات الأزمة الأم التي يتخبط فيها ما يسمى بالتضامن العربي، ولا يمكنها أن تشكل الاستثناء ذلك لأن الأزمة هي القاعدة التي تحكم العلاقات بين الأنظمة العربية، وتفرقها رغم ما تشترك فيه من طبائع الاستبداد وخصائص الديكتاتورية ومظاهر الفساد.
_______________
*كاتب وصحفي جزائري
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
