الحرب والجوع، والتخمة القاتـلة

عبد الرازق قيراط*

 
يتيح صيام شهر رمضان تمريناً يوميّا لاختبار الإحساس بالجوع، ولكنّه اختبار مؤقّت ينتهي بفرحة الإفطار، بينما ينام آدميّ من كلّ تسعة أشخاص في العالم جائعاً كل ليلة. وتتحدّث الأرقام والتقارير عن قرابة 800 مليون شخص لا يحصلون على ما يكفيهم من الغذاء، أغلبهم من إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية وبلدان الشرق الأدنى. وليس العالم العربيّ في منأى عن تلك الآفة التي جاءت بها النزاعات المسلّحة، فانتشرت في اليمن والعراق وسوريا وفلسطين، وكلّها تشكو نقصا في المعونة. وفي أحدث تقرير نشره، “برنامج الأغذية العالميّ”، أكّد الخبراء أن ستّة ملايين يمنيّ على الأقل يعانون انعدام الأمن الغذائي الشديد وفي حاجة ماسّة إلى المساعدات الغذائية الطارئة والمساعدات المنقذة للحياة، وهي زيادة حادة مقارنةً بالربع الأخير من عام 2014.
وتؤكّد منظّمات الإغاثة أنّه بالإمكان “القضاء على الجوع في حياتنا، في عالمنا اليوم، فلدينا المعرفة والأدوات والسياسات اللازمة التي تمكننا من إطعام الجميع”. لكنّ إيصال المساعدات إلى المواقع التي تشهد حروبا مدمّرة، ووضعا أمنيّا خطيرا، يتعطّل في أحيان كثيرة ما يعرّض حياة الناس المحاصرين في بيوتهم إلى مخاطر حقيقيّة بسبب الجوع وأمراض سوء التغذية.. ففي سوريا، تدخل الأزمة عامها الخامس، حيث ينام الملايين جوعى كل ليلة. وفي اليمن يعتمد اثنان من كل ثلاثة مواطنين على المساعدات الإنسانية، حسب تصريح الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة
إنّ التحدّيات التي تواجهها منظّمات الإغاثة على الأرض، وصور الضحايا، والروايات المتعلّقة بالجوع والجائعين صادمة أكثر من الأرقام التي لم يعد لها تأثير كبير وإن كانت تتحدّث عن نفس المأساة. فصور الأطفال الذين تحوّلوا إلى أشباح، تفضح عجزنا عن تحمّل مأساتهم، ولكنّها تضعنا أمام أسئلة حائرة وتدفعنا في ما يشبه الحلقة المفرغة إلى تفحّص الأرقام مرّة أخرى حتّى نفهم ما يجري ونضبط المعادلة التي تنظّم علاقة الإنسان بقوته اليومي. فآفة الجوع لا تنسجم أخلاقيّا مع ما بلغه الإنسان من تقدّم علميّ وتكنولوجيّ تواجه معه المنظّمات المعنيّة صعوبات مزمنة  لتوفير التمويلات التي  تطلبها لنجدة المحتاجين. وقد أطلقت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو)، نداءات استغاثة في أواخر العام الماضي، معلنة حاجتها العاجلة لمبلغ 121 مليون دولار لمواجهة الأزمة الانسانيّة في سوريا…
ولكنّ المفارقة العجيبة في علاقة الانسان بقوته اليوميّ، تتجلّى بالكشف عن الأرقام المتعلّقة بضحايا أمراض التخمة والإسراف في المأكل والمشرب، فهي لا تقلّ بَأسا وبُؤسا. إذ يموت سنويّا قرابة 3 ملايين نسمة بسبب الأمراض المتّصلة بزيادة الوزن كالسكري وارتفاع ضغط الدم والكولسترول وأمراض القلب والشرايين… ويعُدّ العالم مليار ونصف نسمة يشكون من أمراض زيادة الوزن. وتأتي بريطانيا في مقدمة البلدان التي تشهد ارتفاعا مستمرّا لعدد المصابين بتلك العلل القاتلة، حيث يعاني من الرجال الثلثان، ومن النساء النصف، بينما يتضاعف عدد الأطفال والمراهقين من سنة إلى أخرى، ما يدّل على إخفاق كبير في معالجة الوضع رغم المبالغ الخياليّة المخصّصة للدراسات ونفقات الاستشفاء. ولا تستثنى المنطقة العربيّة من تلك الأرقام المفزعة، ففي المملكة العربيّة السعودية، على سبيل المثال، يشكو ثلاثة ملايين طفل من السمنة وتنتشر أمراضها لدى ثلاثة أرباع المجتمع. وتخصّص الدولة نحو 19 مليار ريا ل سنويًا للأبحاث والعلاج.
وعلى العموم، تؤكّد دراساتِ منظمة الأغذية والزراعة العالميّة أنّ العالم يحتاج فقط إلى 209 مليار دولار سنويّا للنهوض بالقطاع الزراعيّ في العالم وضمان الأمن الغذائيّ لسكان المعمورة. لكنّ اهتمام الدول متّجه أكثر فأكثر إلى التسلّح، وقد بلغت نفقاته 1750 مليار دولار أمريكي سنة 2013، في حين تصل قيمة الغذاء المُهدَر في كوكبنا سنويا إلى 750 مليار دولار… والغذاء الذي يُهدر على مستوى العالم نتيجة الأنماط الاستهلاكية الخاطئة أو يتمّ إتلافه انسجاما مع القوانين المعمول بها يكفي وحده لإطعام ثلاثة أضعاف سكان الأرض!
ليس الجوع إذن قضاء حتميّ من الله الذي خلق الأرض “وقَدر فيها أقواتها في أربعة أيام سَوَاءً لِلسَّائِلِين”. الجوع كما تبرزه الأرقام نتيجةٌ حتميّة لتقديرات خاطئة واختيارات سياسيّة ضارّة بالأمن الغذائيّ العالميّ. ولأنّ الأرقام برهنت على ضعف الجهود المبذولة لمجابهة ما تشكو منه الإنسانيّة من أوبئة الجوع والتخمة، ينبغي التأكيد على الحلول الكفيلة بتجاوز تلك الآفات القاتلة والتذكير بمعادلة بسيطة بين الإنسان وقوته اليوميّ ضبطها النصّ القرآني في قوله تعالى: ” وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنّ الله لا يحبّ المسرفين”. فالإسراف الذي يعني بلغة عصرنا سوء التصرّف في الموارد هو المسؤول الأوّل عن انتشار الآفات القاتلة بين البشر.
ولا فكاك من تلك الآفات إلاّ بمعادلة أخرى تقوم على دعم جهود السلام، والتوزيع العادل لثروات الأرض على عموم سكّانها من أجل القضاء على الهوّة الشاسعة التي تفصل بين الأغنياء والفقراء. فليس مقبولا، لا في الشرائع السماويّة ولا في أعراف الشعوب التي خُلقت للتعارف والتعاون فيما بينها، أن ينام أحدنا شبعانا وجاره جائع. والجار بمنطق العولمة اليوم يتجاوز مفهومه البسيط من شخص يقطن إلى جوارك في الحارة الصغيرة، إلى أخيك الإنسان الذي يجاورك بوطنه على الخريطة في قارّات الأرض.
“ليس بمؤمن، من بات شبعانا، وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم” (حديث نبويّ)، تلك هي معادلة الشارع التي أمر بها عباده ليستقيم العيش على أرض جعلها زاخرة بالخيرات. ولكنّ البشر أفسدوا كلّ المعادلات وعرّضوا بعضهم بعضا للموت بشتّى الآفات التي ظهرت نتيجة سوء التغذية جوعا وشبعا وسوء التدبير سياسةً وتخطيطا وسوء المصير نتيجة ومآلا.

_________________

*كاتب تونسي 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان