كاد “المرزوقي” ان يكون “مهند”!

عبير الفقيه*

بعد أن عرفناه كشخصية سياسية، وحقوقية، وعلمية، جاءت صحيفة “لابرس”، أول صحيفة تونسية حكومية ناطقة بالفرنسية، لتقدم الدكتور المنصف المرزوقي، أنه ممثل يقوم بمشاركته في أسطول الحرية لنصرة أهل غزة، بدور في مسلسل تركي. ولا ندري هل تمناه كاتب المقال مهنّداً محلّيا ولو بسمرته الحالكة، أم أنّ المشكلة في غزو الدراما التركية لعقر ديار العرب حتى تصير هاجساً يمتدّ الى بعض فضاءات الصحافة المكتوبة، أم أنّ مكان تصوير ” المسلسل”، غزّة، أصبح يثير تذكيراً بألم و فشل أو ربما عقدة. أو تراها جاءت مجتمعة؛ فالمرزوقي موجع، و تركيا موجعة، وغزة  وجع دائم.
“المرزوقي يشارك في المسلسل التركي الطويل: الأسطول نحو غزة”، كان هذا هو عنوان المقال المنشور في “لابرس” ومن الواضح أن عنوان المقال، ومضمونه لا يعكس سوى رؤية صاحبه الضيقة جداً، فأسطول كسر الحصار على غزّة جمع الفلسطيني والاسرائيلي والاسترالي والكندي، مع كل أصحاب الضمائر المساندة لهذه الخطوة على رمزيتها  لتذكّر بالمظلمة التي يعيشها اخواننا الغزاوية في أكبر سجن بالعالم. و تساهم في تقديم الدّعم لهم.
يقول كاتب المقال: ” أسطول الحرية، مبادرة تركية …لكسر الحصار الاسرائيلي نظريا. في البداية نجحت هذه المبادرة في كسب تعاطف فئة واسعة من العالم من حقوقيين و مناضلين… و لكن منذ ذلك الوقت، لم تعد المبادرة بذلك الطعم. فالأتراك، كخبراء كبار في اخراج المسلسلات التلفزية، استغلوا الظرف لاصدار مسلسل أسطول الحرية في ثوب جديد 2015. وبدلاً من أن يشارك المرزوقي في مائدة إفطار للفقراء في تونس مثلا، فضّل أن يلملم صورته في الخارج و يشارك في هذا المسلسل، الذي أخرجه الأتراك بعناية، و الذي لن يساعد الغزاوية في شيء من محنتهم الأبدية”. هكذا تلخّص أسطول الحرية 3 على عظمة دلالاته في هذه الجريدة التونسية ” العريقة”، و اضمحلّ وزنه السياسي و الإنساني ليصير مسلسلا تركيّا غير مُجدي. ولا ندري هل كسر الحصار وولوج غزة عبر مياهها، كان سيحظى بدعم إعلامي لو لم ” تُخرجه” تركيا، ولو لم يتصدّر المرزوقي  مشهده”؟.
 ذاكرة التونسي تقول غير هذا، فلا الأسطول الاول ولا الثاني حظيا بتغطية شافية على الساحة الإعلامية التونسية بأنواعها، سوى ما جادت به بعض وسائل الإعلام البديل بعد الثورة من مادّة متواضعة.
 و مهما يكن من أمر، فالثابت انه ليس من الصواب في شيء، أن يتمّ التقليل من شأن مبادرات نادرة ككسر الحصار أو تقزيمها أو التشكيك في نوايا القائمين على إنجاحها، طالما حضرت  فيها أطراف تراها عيون العالم، المتعاطفة مع القضية الفلسطينية، بعيون الإكبار و الإجلال، و تراها أغلب عيون صحافتنا و تلفزاتنا التونسية، الى الآن، بعيون الخصم السياسي حيث يتوجب تجريد الخصم من أي حُظوة ليس في الشأن المحلي فقط ولكن في الشأن العالمي أيضاً.
وقد  ثبت بما لا يدع مجالاً للشك، أن الرموز الثورية في بلدان الربيع العربي، تتعرّض لحملة إعلامية مزعجة يشارك فيها الإعلام الحكومي، ولولا الخجل لقلت انه راعيها الأكبر. فخيارات أول انتخابات عاشها المواطن العربي بعد الثورة، لم تستسغها الترسانات الإعلامية ” الحكومية” لا في تونس و لا في مصر. فمرسي يتأرجح بين المؤبّد و الإعدام جزاء التخابر مع حماس أحيانا وهي تُهم لا تغتفر في أعراف قضاء أمّ الدنيا. و ليته باع الغاز لإسرائيل، أو حتى شيّد جداراً بين مصر و غزّة، أو حتى حبا وزارة الثقافة بدعم مالي رمزي لتمويل عمل تلفزيوني مثل “حارة اليهود” مثلا. فرمضان شهر المغفرة و الصّفح و تصفية القلوب.
 أمّا المرزوقي، فالتُهم ستطاله لا محالة لوقوفه في صفّ مرسي المتخابر. والتُهم المذكورة تنتقل بالعدوى، فهي تحرم مقترفيها وداعميهم من كل شرعيّة و تجبرهم على إزاحة الطريق لغيرهم في الحكم، لأطراف تحافظ على الأوطان أكثر منهم.
المؤلم في الأمر انّ كل قضيّة انسانية عادلة بشهادة العالم أصبحت تمرّ  في الإعلام الحكومي العربي عبر “فلاتر” التصنيف السياسي. فيكفي أن يحتفي الإعلام العالمي الداعم لقضية فلسطين ، بشخص مثل” المرزوقي” على أساس انه يناصر قضايا الحق وأنه مناضل يسبح ضد تيّار الباطل غير عابئ بالنتائج الوخيمة التي تكبّدها، حتّى تصبح الصورة في وطنه مجرد “بطل واهم”، دونكيشوتي، عميل تركي، شعبوي… المهمّ ان لا يحظى بذرّة مصداقية في مهمّته حتى لو كلّف الأمر شيطنة برنامج كسر الحصار بأسره باعتباره ” لا يُجدي”. معذورون و الله، كيف لا والأمر سيتمّ برعاية أردوغانية  مرزوقية.
الرّجل، و بكل أريحيّة، شقّ طريق البحر الخالي من الزعامات العربية ومازال يتلقّى وابل الشتائم و التقزيم من العوازل، فلم ينالوا منه وأظهروا بالهجوم عليه كم هو مؤثر وموجع لأعداء الثورة.
 _____________________

*كاتبة تونسية مقيمة في إسبانيا 

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان