الأديان وضعت مبادئ علم اقتصاد السعادة

أشارت آيات في القرآن وأحاديث إلى السعادة الاقتصادية للإنسان، ووضعت مجموعة من المعايير التى تساعد فى بيان ما يتمتع به الفرد من سعادة.. يتبع.

د. أسامة الكرم

الأوضاع الاقتصادية المتدهورة يمكن إصلاحها بفكر جديد يؤمن باقتصاد السعادة . فبفضل الاهتمام بفكر اقتصاد الرفاه، الذي يؤمن بأن المال هو السعادة، حصدنا المزيد من الضياع والمرارة والتعاسة:
نملك هذه الأيام منازل أكبر، وأسرا أصغر.

ونملك وسائل راحة أكثر، ووقتا أقل .
لدينا شهادات أكثر، ومنطق أقل.
ولدينا معرفة أكثر، وحكمة أقل .
لدينا خبراء أكثر، ومشاكل أكثر.
ولدينا أدوية أكثر، وعافية أقل.
لقد ضاعفنا ممتلكاتنا، وقللنا قيمن .
إننا نتكلم كثيرا، ونحب قليلا. ونكذب كثيراً جدا. لقد تعلمنا كيف نكسب رزقنا، ولم نتعلم كيف نحيا.
لقد أضفنا سنوات إلى حياتنا، ولم نضف حياة إلى سنوات عمرنا.
إننا ننفق أكثر، ونملك أقل.
إننا نشتري أكثر، ونستمتع أقل.
لدينا الكثير من وقت الفراغ، والقليل من المتعة.
لدينا الكثير من أنواع الطعام، والقليل من التغذية.
لدينا دخل عال، ومصروفات أعلى.
لدينا منازل فاخرة ، وأُسَر محطمة.
هذه هي أيام الوجبات السريعة والهضم البطيء.
رجال أرصدتهم كبيرة، وشخصيتهم صغيرة.

هذا حصاد فكر اقتصاد الرفاه ولابد من الاتجاة لاقتصاد السعادة الذي لخصته الآية الكريمة “ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشه ضنكا” صدق الله العظيم .
مبادئ اقتصاد السعادة موجودة في الاديان وسأعرض لاحقاً كيف نجحت الأديان في وضع أساسيات علم اقتصاديات السعادة . ويأتى رسولنا الأمي “محمد” ليضع جوانب هذا العلم منذ أكثر من 14 قرناً ليسبق “آلان كروجر” مؤسس اقتصاد السعادة الذي حصل على نوبل في الاقتصاد بسبب هذا العلم.
يرى علماء الاقتصاد الإسلامي أن الهدف الأسمى من المعاملات الاقتصادية هو تحقيق الإشباع المادي والمعنوي للإنسان حسب أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية، وتنفيذ هذة الرؤية عملياً يتم وفق مجموعة من الضوابط الشرعية، من أهمها ما يلى :
1ـ  الإيمان بيقين بأن الله  قد تعهد أن يرزق الإنسان ليختبره أيشكر أم يكفر وأنه فضَّل البعض على البعض، فى ظل ضوابط الإيمانية بأن المال  نعمة وليس نقمة، والنظر إليه على أنه وسيلة ليعين الإنسان على تحقيق السعادة الأخروية، ويجب على الإنسان أن يرضى بما قسمه الله له، وهذا الرضى يحقق له فعلاً السعادة .
“ ومن يتق الله يجعل له مخرجاً و يرزقه من حيث لا يحتسب“
“وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنةً يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعو” النحل 112
“تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم”  [ رواه البخارى ]
 وقد أشارت آيات في القرآن وأحاديث إلى السعادة الاقتصادية للإنسان، ووضعت مجموعة من المعايير التى تساعد فى بيان ما يتمتع به الفرد من سعادة ، ومن هذه المعايير ما يلى :
 توفير الحاجات المعيشية  الأساسية لحفظ الجسد  وتقويته على طاعة الله – الكسب الحلال الطيب ، ويعتبر الحاكم في الإسلام مسؤولاً عن توفيرها لكل إنسان فهي الحد الأدنى للحقوق الاقتصادية .
 – تطهير هذا المال في صورعديدة يشارك فيها الغني الفقير مثل  زكاة أو صدقات أو هبات أو وقف أو صدقة جارية أو كفارة على من هم دون حد الكفاف والكفاية وغيرهم لإدخال السعادة عليهم ، وذلك أيضاً سعادة روحية للمُنفق .
 – الالتزام بتعاليم الشريعة في كل نواحى الحياة، ومنها التعامل في المال كسباً وإنفاقاً ، بمعنى أن يتم الحصول على المال بالحق ويتم إنفاقه بالحق، ويُمنع من الباطل، وفي هذا تأكيد على حب الله ـ المالك الحقيقى لهذا المال ـ وهنا يشعر الإنسان بالسعادة لأنه أطاع الله ورسوله ، فمن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيما. ومن المعاملات التي تقود إلى  المعيشة الضنك والشقاء الاقتصادي على مستوى الفرد والدولة فى الفكر الاقتصادي الإسلامي  الرشوة والاحتكار والقمار والربا ومنع الزكاة  والسرقة وفرض الضرائب الباهظة (المكوس) وتطفيف الكيل والغش والسرقة والإضرار بالمال العام أو التسعيرة الجبرية بلا سبب اقتصادى والاكتناز مهما تعددت أشكاله.  
هذه المعاملات تؤدي إلى زيادة الهوة بين الغنى والفقير والظلم والاستغلال، حيث تزيد الغنى ثراء  وتزيد الفقير فقراً، كما تؤدي إلى القهر والرعب وضياع البركة، فيُحرم الثري الطاغية من سعادة المال ويبتلى بضياع البركات، كما يجهد الفقير ويشقى بأفعال الثري، والعلاج في الفكر الاقتصادي الإسلامي من هذا الشقاء هو الالتزام بمنهج الله في المال والاقتصاد ، فمن أراد السعادة الاقتصادية  عليه بالالتزام بتعاليم الله صاحب المال.
وكذلك نادت المسيحية في الإنجيل ـ سفر الجامعة  الإصحاح الحادي عشر “ارم خبزك على وجه المياه فإنك تجده بعد أيام كثيرة”. أي افعل الخير سيعود لك في المستقبل، وبالتالي ستشعر بالسعادة عندما تنفق من رزقك للخير، لأنه سيعود عليك فى المستقبل ولن يضيع هباء .
 وقال سليمان الحكيم مُحذرّاً: «من يرصد الريح لا يزرع، ومن يراقب السحب لا يحصد» ـ الجامعة4:11. أي لاتنتظر الظروف المواتية بل افعل ماعليك واترك الأمر لله، وبالتالى لاتبحث عن مبررات للكسل ولا لتأجيل العمل،  ولهذا قال مارتن لوثر: «يبدو أن كل من يرغب في الانتظار حتى تلوح مناسبة مواتية تماماً لعمله لن يجدها بتاتاً”
وهكذا سبقت الأديان أحدث العلوم الاقتصادية التى تحاول الدول العظمى الاتجاه نحوها:  اقتصاد السعادة.
 
_____________________

*كاتب صحفي مصري

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان