فى مصر قانون لقمع الحريات

![]() |
محمد منير*
ذكرتنى المبررات الحكومية لقانون مكافحة الإرهاب فى مصر بطرفة قديمة تحكى عن إطفائى غبى تم استدعاؤه لإطفاء حريق يحيط بأحد المنازل ويهدده بالحرق ‘ فكان أول إجراء قام به الإطفائى الغبى أن أغلق المنزل على أصحابة ليحميهم من نيران الحريق فسد عليهم كل منافذ الهرب إلى أن احترقوا جميعاً .
مواجهة الإرهاب والتوترات بتقييد الحريات وحقوق التعبير والنشر والمعلومات مثل سكب البنزين على النار ، هذا إذا افترضنا صحة نوايا الحكومة فى مواجهة الإرهاب وصحة أن الحوادث الإرهابية من تدبير جهات تستهدف أمن البلاد وزعزعة استقرارها على حد تعبيرهم. وتسليمنا بهذه الافتراضات الرسمية لا يمنعنا من الاندهاش والتساؤل عن علاقة تغليظ العقوبات فى قضايا النشر وتقييد حرية الرأى وحق التعبير بمواجهة الإرهاب؟ ، كما أن التسليم بهذه الافتراضات الرسمية لا يمنعنا أيضا من الاندهاش من ترويج الحكومة لمقولة أن القانون يغل يدها فى مواجهة الإرهاب ، فمواجهة الإرهاب شأن تنفيذى يخص السلطات التنفيذية ويتبعه دور القضاء والقوانين ، ولا أظن أن القوانين والقضاة المصريين متهاونين فى إصدار الأحكام ولا أظن أن هناك قوانين تعرقلهم بدليل أحكام الإعدام المبالغ فى عددها والتى أصدرتها المحاكم المصرية بحق المعارضين المصريين ، اللهم إذا كان المقصود (كما يتندر المصريون) هو تغليظ عقوبة الإعدام فيكون هناك إعدام وإعدام مشدد فى القانون الجديد.
المتابع للشأن المصرى يلاحظ أنه رغم حوادث العنف فى المجتمع المصرى والاغتيالات إلا أن الأمر ليس بحاجة إلى قوانين تنضم الى ترسانة القوانين فى مصر ، إنما الأمر فى حاجة إلى حل سياسي قائم على تفعيل الحياة الديمقراطية ، وهى الفريضة الغائبة دائما فى مصر.
إذاً فصدور مثل هذا القانون فى هذا التوقيت متعللاً بحماية المجتمع من الإرهاب لابد وأن يكون وراءه سبب وهدف آخر ، فمن غير المنطقى أن مواجهة الإرهاب تحتم وتستلزم تقليص مساحة الديمقراطية وحرية التعبير وتقييد حق الحصول على معلومات من مصادر متعددة .
قبل البحث فى الهدف من وراء هذا القانون المُقيد للحريات والمتستر برداء مواجهة الإرهاب أتعرض لبعض مواد القانون المقيدة لحقوق التعبير والرأى وحق الحصول على المعلومات، وهو الأمر الذى انتفضت لمواجهته نقابة الصحفيين غير عابئة بحالة الابتزاز المجتمعى السائدة تحت تأثير الوهم الذى صدره نظام السيسى بأن القانون سينقذ مصر من الوقوع براثن الإرهاب.
أعلنت نقابة الصحفيين المصريين فى بيان لها الاعتراض على 5 مواد من قانون مواجهة الإرهاب وهى مواد تقيد الصحفى فى عمله وتعرضه للسجن سنوات لاتقل عن عامين إذا ما خالف الشروط المتضمنة فى هذه المواد
وفى البداية فإن تضمين عقوبات بالحبس فى قضايا النشر هو أمر مخالف للدستور المصرى فى مادته رقم ” 71 ” والتى تنص على ” لا توقع عقوبة سالبة للحرية فى الجرائم التى ترتكب بطريق النشر أو العلانية، أما الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو بالتمييز بين المواطنين أو بالطعن في أعراض الأفراد، فيحدد عقوباتها القانون”.
و تنص المادة 33 من قانون مواجهة الإرهاب على ” يعاقب بالحبس الذي لا تقل مدته عن سنتين، كل من تعمد نشر أخبار أو بيانات غير حقيقية عن أي عمليات إرهابية بما يخالف البيانات الرسمية الصادرة عن الجهات المعنية، وذلك دون إخلال بالعقوبات التأديبية المقررة في هذا الشأن” ، وبجانب مخالفة هذه المادة للدستور المصرى فى مادته رقم “71 ” كما ذكرت نلاحظ أن هذه المادة تحصر الصحفى أو الإعلامى فى مصدر واحد للمعلومات وهو الجهات المعنية الرسمية وتمنعه من الحصول على المعلومات من مصادر متعددة ، وبذلك يتحول الإعلامى الى موظف فى مكتب إعلام الحكومة ومعبراً عن حالها وموقفها وبالتالى فإن هذه المادة تغتال مبدأ الشفافية والتزام الصحفى بنشر الحقائق أمام الشعب واكتفائه بنشر البيانات الحكومية ، كما تضمنت المواد (26، 27، 29، 37) بالعديد من العبارات المطاطة التى تصادر حرية الصحافة، وتفتح الباب واسعًا عبر تفسيرات مطاطة للنيل منها، ومصادرتها من خلال السلطة التنفيذية، بالمخالفة لنص المادة (70) من الدستور، وهو ما اعترضت عليه نقابة الصحفيين والجماعة الصحفية بشدة وأعلنوا حالة الإستنفار العام لمواجهة هذه القيود .
الشاهد أن الهدف الواضح من هذا القانون ليس مواجهة الإرهاب ، وأن فزاعة الإرهاب ماهى إلا شماعة لتبرير سياسات النظام الحاكم فى مصر والتى تستهدف قطع كل وسائل التعبير والاحتجاج وتقييد الديمقراطية بهدف توطيد حكم النظام الحالى وقطع أى طريق على معارضيه لكشف سياساته القمعية وكشف فشله فى الحكم .
ما يحدث فى مصر ليس أمراً جديداً فقد سبق وأن انتهج أنور السادات نفس النهج عندما ضاق ذرعاً بمعارضيه فأستصدر فى 22 يناير 1980 قانون حماية القيم من العيب بهدف معاقبة كل من يحاول انتقاد سياسة الدولة وطبقاً لهذا القانون قام بأكبر حملة اعتقالات فى تاريخ مصر فى سبتمبر من نفس العام شملت كل الاتجاهات السياسية فى مصر ورجال دين مسيحى واسلامى وبعدها بشهر واحد فى 6 أكتوبر تم اغتياله فى عملية غامضة .
هذا ماحدث ونعلمه والله أعلم بالغيب.
____________________
كاتب وصحفي مصري*
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
