الإرهاب والتضليل الإعلاميّ

وخلاصة ما ذهبت إليه عبقريّتنا التونسيّةُ في تفسير ظاهرة الإرهاب اختزلها أحد الصحفيين من ذوي المواهب التحليليّة النادرة، فقال بتشنّج وحرقة: “مساوئ الخمّارات ولا شرور مساجدكم!”.. يتبع.

عبد الرزاق قيراط*

مازالت وسائل الإعلام المحلية والأجنبيّة تخوض بتحليلاتها وتحقيقاتها في العملية الإرهابية التي أدت إلى سقوط عشرات الضحايا بين جريح وقتيل في سوسة، جوهرة الساحل التونسية. والمتأمّل في ما يُنشر، يلاحظ شدّة التناقض والاختلاف في تحليل المعطيات وإعلان النتائج، وتستفزّه تعليقات خطيرة لغوغائيين تخصّصوا في تضليل الناس وحملهم على قبول رؤى تتعارض مع المنطق وتساهم في إثارة الشكوك. فقراءة جميع العمليات الارهابيّة بالطريقة  نفسها الخاضعة لقوالب جاهزة لم يعد أمرا مقنعا ولا مفيدا في ظلّ غياب البراهين التي تؤكّد صدقيّتها. ولعلّه من المفيد لكلّ من يريد فهم ظاهرة التضليل الإعلاميّ، أنْ يقارن التحليلات المنشورة في الإعلام المحليّ مع ما يذاع في الإعلام الأجنبيّ، مثلما يكافح المحقّق في عمله بين أقوال المتّهمين والشهود في سبيل الوصول إلى الحقيقة مهما كانت مؤلمة أو صادمة.

 فكيف تناول الإعلاميّون في الداخل والخارج أحداث سوسة؟ وهل نجحوا في تضليل الرأي العام لتمرير سياسات معادية؟

لقد تبنّى الإعلام التونسيّ في الصحافة المكتوبة وفي منابر “التوك شو” الرواية الرسميّة التي روّجتها بيانات الحكومة وتصريحات الداخلية، فاعتبرت مذبحةَ سوسة نتاجا للتشدّد الدينيّ الذي يجد الدعم والتمويل من جمعيّات تتلقى أموالا من الخارج، وتحتضنه “المساجد المنفلتة” التي لا تخضع لسيطرة الدولة. وبنفس الأسلوب الذي يقوم على الإقحام والتعسّف لغايات سياسية محسوبة، شيطنت تلك المقارباتُ مستندة إلى تصريحات الرئيس السبسي حملة “وينو البترول” واعتبرتها مسؤولة عن خلق مناخ من الفوضى يشجّع على القيام بعمليات إرهابيّة. ولوّح رئيس الحكومة من جهة أخرى بحلّ أحزاب لا تحترم الدستور، ما خلق أزمة مع حزب التحرير الذي أشير إليه بالاسم واتُّهِمَ أنصارُه  برفع رايات جهادية مستفزّة.

وخلاصة ما ذهبت إليه عبقريّتنا التونسيّةُ في تفسير ظاهرة الإرهاب الذي يضرب متاحفنا وشواطئنا اختزلها أحد الصحفيين من ذوي المواهب التحليليّة النادرة، فقال بتشنّج وحرقة: “مساوئ الخمّارات ولا شرور مساجدكم!” ولم يبخل علينا بالحلول التي  ستقضي على الإرهاب، فطالب بفصل النساء المحجّبات من عملهنّ في الصيدليّات إذا امتنعن عن حقن الرجال لأنّ ذلك التقصير دليل على تشدّد دينيّ!

تتحوّل بضاعة هؤلاء المحلّلين، بما يروّجونه من أفكار بائسة، إلى سلعة مغشوشة لا يعتدّ بها، ما يؤدّي بالضرورة إلى زعزعة ثقة الناس بوسائل إعلامهم الوطنيّة فيرغبون عنها بحثا عن الحقيقة من مصادر أخرى قد تساهم في تضليل مضادّ. وفي هذا السياق يمثّل الفيسبوك ملجئا لمئات الآلاف من الشباب الذين يصدّقون الكثير من الروايات المنشورة في فضاء افتراضيّ يختلط فيه الحابل بالنابل. فضاء تحوّل بعد الثورة إلى سلاح فعّال لتصفية الحسابات السياسيّة بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة حيث تكثر أنواع الخدع والمؤثّرات التي أتاحها التطوّر التقنيّ في معالجة الصور ومقاطع الفيديو، على نحوٍ يساهم في تمرير أفكار بعينها، وصُنعِ القرائن لأثبات جملة من الوقائع أو نفيها. وهكذا فإنّ شريحة كبيرة من جمهور الفيسبوك ستعجز عن التمييز بين الحقّ والباطل بسبب غياب الحس النقديّ والنضج المعرفيّ لديها بالقدر الذي ينبّهها إلى سذاجة بعض ما ينشر، وخطورة البعض الآخر… وفيما يتعلّق بمذبحة سوسة، نُشر من الصور وعناوين الصحف وتصريحات المسؤولين والمعارضين ما يحتمل التصديق والتكذيب بسبب التزييف وتغيير المضامين بواسطة الاجتزاء والزيادة والنقصان. ومن أخطر ما رُوّج في الأيام الأخيرة، وثائق وتحليلات تشكّك في رواية سلطات الداخليّة التونسيّة جملةً وتفصيلاً، وتحمّل أجهزتَها الأمنيّةَ والمخابراتيّة مسؤوليّة المذبحة التي سالت فيها دماء السيّاح، تدبيراً أو تقصيراً لغايات بعضها مازال خافيا، وبعضها  ظهر بسرعة عجيبة من خلال “المكاسب الماديّة” التي أعلنت لفائدة قطاع السياحة، حيث أعيدت جدولة ديونه لدى البنوك ما اعتبره مراقبون نزهاء “نهبا للماليّة العموميّة في ظروف اجتماعية صعبة”.

إنّ مكافحة ما ردّده  المحلّلون السفسطائيون بعد ساعات من عملية سوسة بما نشر على الفيسبوك لاحقا يكشف عن هوّة سحيقة بين روايات هؤلاء وهؤلاء، ويجعل الشكوك متّجهة بالأساس إلى وسائل الإعلام التقليديّة بعد أن فضحها بيان الهيئة العليا للاتصال السمعي والبصري، حيث رصدت جملة من الاخلالات المتكررة. وتتمثّل في “اتخاذ مواقف تميّزت بالتشنّج في حين وجب التحلّي بالمهنيّة وضبط النفس والتعامل بعقلانيّة ومسؤوليّة مع مثل هذه القضايا وتجنب بثّ خطابات التحريض”، حسب ما ورد في البيان الذي تضمّن من جهة أخرى تنبيه “الهايكا” إلى ضرورة التقليص من بثّ كل ما يساهم في الإثارة والتركيز على ما يخدم ” حق المواطن في المعلومة”.

لكنّ فاقد الشيء لا يعطيه. والباحث عن المعلومة الصحيحة مطالبٌ بالاطلاع على ما نشر في البلدان الغربيّة المعنيّةِ بما وقع في سوسة، وعلى رأسها بريطانيا التي مسّها الضرُّ أكثر من غيرها، فسارعت بإرسال فريق من المحقّقين بعد أنْ أكّد شهود عيان من سائحيها أنّ إطلاق النار كان من ثلاثة مسلّحين، الأمر الذي نفته الرواية الرسميّة في البداية مؤكّدة أنّ الإرهابيّ شخص واحد تمّ القضاء عليه. ومن جهة أخرى أوردت صحيفة “مايل أونلاين” البريطانية أنّ منفذ الهجوم سيف الدين الرزقي كان تحت تأثير المخدّرات عند ارتكابه للعمليّة الإرهابية. وتحدّثت صحف ألمانيّة عن تقصير أمنيّ مريب، نظرا لاستمرار إطلاق النار أربعين دقيقة قبل أن يتدخّل الأمن، وكان النزل على مقربة من مراكز الشرطة والحرس!

وعلى العموم، ستدفع المعطيات الجديدة فريق المحقّقين الأجانب الذين باشروا عملهم في موقع الجريمة، إلى إهمال الرواية التونسيّة المتضاربة للوصول إلى الحقيقة التي ترضيهم، وترضي مصالح حكومتهم. فلكلّ حكومة مصالحها التي تحدّد سياساتها. لذلك، نعتقد جازمين أنّ سلطاتنا، لن تغيّر طريقة عملها لتتخلّى مثلا عن الأحكام الجاهزة والتصريحات المتسرّعة لحين التثبّت من الحجج والقرائن العلميّة التي تؤيّد أقوالها. وذلك الانحراف منذر باستمرار الحالة المرضيّة التي أصيب بها إعلاميّون يعملون رهن إشارتها، حتّى بدا عليهم ما يشبه تأثير حبوب الهلوسة.

ولا نعتقد من ناحية أخرى أنّ التحقيقات متعدّدة الجنسيّات ستكشف عن الجناة قريبا، لأنّ العمليّة الإرهابيّة حقّقت أهدافها بنجاح. فبعد مقارنة الخسائر بالأرباح، يمكن القول إنّ الأرواح البريطانيّة التي أزهقت في سوسة أنقذت شركات عملاقة بحجم “بريتش-غاز” وأخواتها لتواصل نشاطها بكلّ طمأنينة بعد أنّ شيطنت حكومتنا وإعلامها حراك “وينو البترول” وحمّلته مسؤوليّة الدماء التي سالت بغزارة ومرارة.

 كم أنت مفيد أيّها الإرهاب!

انتهى التحقيق!

 ______________________

*كاتب تونسي

 

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان