الاستقلال وإقصاء الأجيال!

بقدر ما كان الاستقلال غاليا، بقدر ما كانت الأحلام كبيرة، وبقدر ما كانت الأحلام كبيرة بقدر ما كانت خيبة الأمل كبيرة لدى الجزائريين وما فتئت تكبر.. يتبع.

نصرالدين قاسم*
في الخامس من يوليو تموز، أشعلت الجزائر شمعتها الثالثة والخمسين بعد الاستقلال. استقلال الجزائر، أو ما يفضل الجزائريون تسميته باستعادة السيادة الوطنية، كان باهظ الثمن إذ لم يكن نتاج مقاومة شعبية ونضال سياسي فحسب، ولا تتويجا لمفاوضات، لقد كان محصلة حرب ضروس قاسية دفع فيها الجزائريون أكثر من مليون ونصف المليون شهيد وآلاف المعطوبين والجرحى. وبقدر ما كان الاستقلال غاليا، بقدر ما كانت الأحلام كبيرة، وبقدر ما كانت الأحلام كبيرة بقدر ما كانت خيبة الأمل كبيرة لدى الجزائريين وما فتئت تكبر مع مر السنين.
عندما قرر الجزائريون حمل السلاح والصعود إلى الجبال والاحتماء بالغابات، في تحديهم لأعتى قوى الحلف الأطلسي، كان لكل واحد منهم حلمه الخاص من وراء الجهاد. كثير منهم كانوا يحلمون بالشهادة ودخول الجنة في سبيل إعلاء راية الإسلام وإعادة الجزائر إلى حظيرة الأمة الإسلامية، وآخرون، لا يقلون كثرة، كانوا يحلمون بالاستقلال لافتكاك حقهم من المستعمرين والمستوطنين وجنود الاحتلال: هذا يسعى لأخذ المزرعة وهذا للفوز بالفيلا، وذاك بالمعمل وذاك بالورشة وكل حسب موقعه ومحيطه. ومنهم من كان يسعى للانتقام من ظلم وقع عليه أو على أحد أفراده.
• مغانم الثورة ومكاسب الاستقلال!
الجهاد ضد المحتل الغاشم حقق للكثير أحلامهم، ولبى للكثير مطالبهم، فنال الشهادة أكثر من مليون ونصف المليون جزائري، واستحوذ الكثير من الجزائريين على مساكن “الكولون” أي المستعمرين، وسياراتهم والكثير من معداتهم التي ما هي في الحقيقة إلا من خيرات هذا البلد الطيب، ومُنح الكثير منهم مزارع وأراض فلاحية، وكثيرا من المزايا والحقوق. وشفى الكثير منهم غليله في المستعمر وأخذ بثأره وانتقم لشرفه وعرضه. غير أن الوطن ظل ينتظر أن يتحرر من التخلف والآفات والأزمات، وظلت الأجيال تترقب أن يطالها شيء من هذا الاستقلال ونعمه أو تمنح لهم الفرصة للمساهمة في ترقيته واستلام المشعل من فريق من جيل الثورة الذي ظل يحتكر كل شيء ويعتبره حقه المطلق.
ماذا بقي من الاستقلال؟ سؤال كبير يشغل الجميع، ويؤرق الأجيال، حقيقة أن الجزائر قطعت أشواطا وجسدت إنجازات، لكنها لم تكن في المستوى المأمول، كان بوسعها أن تكون أفضل وتحقق أكثر، بالنظر إلى ما تزخر به من خيرات وما تنعم به من مداخيل وما أنفقته من مصاريف.. هذا ما يجذر التساؤل، ويبرره. لقد صرفت الجزائر في أقل من خمس عشرة سنة ما يربو عن 800 مليار دولار – حسب ما تتداوله المعارضة – لكن لم يظهر على الأرض ما يبرر هذه المصاريف ولا ما يعكس قيمة هذا الرقم المهول. فلم تتحول الجزائر إلى سنغافورة جديدة، ولا إلى هونغ كونغ ولا حتى إلى ماليزيا جديدة، ولم يتخلص الجزائريون من مشاكلهم البدائية ومعاناتهم من الأزمات المتعددة والمتنوعة من أزمة السكن إلى أزمة البطالة مرورا بأزمة النقل وأزمة العلاج برغم مجانيته، وأزمة التعليم برغم إجباريته، وأزمة الفقر والحاجة برغم غنى الدولة.
• جيل الثورة والثروة وأجيال الانتظار
لقد استعادت الجزائر استقلالها لكنها لم تسترجع بعد قدرتها على التغلب على الأزمات وصناعة التطور وتحقيق الوثبة الاقتصادية التي تنقلها من دولة غنية متخلفة إلى دولة متقدمة. لم تسترجع بعد حريتها ممن رهنوا استقلالها باسم الشرعية الثورية، وتملكوا مصيرها باسم الشرعية التاريخية.
الاستقلال في الجزائر لا يزال عنوانا لإقصاء الأجيال، خمسون سنة وبضع سنين من الاستقلال وزمام الأمور بيد زمرة من جيل واحد يرفض أن يعترف بأحقية الأجيال التي تلته في تداول السلطة، وشرعية مطالبه بالتغيير السلمي. جيل الثورة الذي بلغ من الكبر عتيا لا يزال ينظر إلى الجيل الذي يليه نظرة الأب لابنه: يراه صغيرا دائما لا يكبر في عينيه أبدا وإن تجاوز الخمسين والستين من العمر. لقد جنى جيل الثورة على الجيل الثاني وحرمه من حقه في التسيير والتدبير، وبدأ يمارس الجناية نفسها على الجيل الثالث، وإن بدا هذا الأخير متمردا عن أبوية الجيل الجاني، رافضا لشرعيته: ثورية كانت أو تاريخية.
• التطلع إلى تجديد الاستقلال
إذا كان الجيل الثاني قد أمضى حياته في ظل الجيل الأول مقصيا، دون أن يُسمح له بالمساهمة أو المشاركة في الحكم، فإن الجيل الثالث شق عصا الطاعة، وبدا صداميا لا يعير اهتماما لأي شيء، ولا يرى نفسه معنيا بشيء ولا مطالبا باحترام قدسية أي شيء. بدليل أنه لا يكترث بمعاني الثورة، والتضحيات الجسام، ولا بماهية الاستقلال ولا يلقي بالا لشعارات الوطنية وحب الوطن وما إلى ذلك. لقد نجح جيل الثورة في تنشئة جيل معاد لكل القيم الثورية والوطنية، لأنها أصبحت حسب هذا الجيل مرادفا للإقصاء والتهميش والإلغاء، قيم يراها ترمز إلى الجيل المستبد أكثر مما ترمز إلى ملحمة شعب ومقومات أمة، مجرد شعارات لخدمة وتبرير ممارسات مجموعة من جيل احتكرت كل شيء وترفض أن تتقاعد أو تفسح المجال لطاقات جديدة وبرامج جديدة وأفكار جديدة. ولا تخفي الأجيال الصاعدة تطلعها إلى استقلال ثان يعيد للوطن حريته وللأجيال حقها في اختيار من يحكمها، ونصيبها في الحلم والثورة والثروة والحكم.
————
*كاتب صحفي جزائري
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه