هل مازالت السلمية أقوى من الرصاص؟!

هل تسليح الثورة هو الحل؟، للإجابة على هذا التساؤل علينا أن نرسم السيناريوهات المتوقعة في حال قرر الإخوان التخلي عن سلميتهم، واستبدلوا شعارهم بـــــ: “سلاحنا أقوى من الرصاص”..يتبع

نور الدين عبد الكريم*

 “سلميتنا  أقوى من الرصاص”،  جملة طُرحت في اعتصام سلمي جاء عقب انقلاب عسكري أطاح بالشرعية ونتاجها في مصر. كانت مقولة قيلت لتعرّف المتظاهرين بمنهجية حركة الإخوان المسلمين في تعاملها مع هذه الأزمة،  فقدّر لها أن تسير بها الركبان، وتحملها الفضائيات، وتتناقلها الصفحات هنا وهناك. ولا نعرف لكم سيحفظها التاريخ بالتحديد، ولكن ما نعرفه الآن وبشكل ملحوظ هو أنها أثارت ومازالت تثير الكثير من الجدل والتساؤلات.

 

فمن يتابع النقاشات التي تدور حول هذه الجملة سواء في المحطات الفضائية أو في مواقع التواصل الاجتماعي؛ يدرك مقدار ما يحظى به مبدأ السلمية من مؤيدين، وما يقابلهم من معارضين ومخالفين يجب عدم تجاهل رأيهم ووجهات نظرهم، وخصوصا ما يؤمنون به من أن أفضل الطرق لإسقاط الانقلاب العسكري هو عن طريق تسليح الثورة.

 

الجدير بالذكر هنا أن صاحب كل وجهة نظر –جاد في طرحه- ينطلق من فهمه للأحداث ورؤيته لمستقبلها وما سيعقبها؛ فمنهم من تأثر بحقب تاريخية وأحداث مرت بالمنطقة سواء كانت في التاريخ البعيد أم القريب، فأسقطها على ما تمر به مصر اليوم، ومنهم من اتخذ رأيه بعد أن قارن بين سلمية الثورة وتسليحها في الدول المجاورة التي قدّر للربيع العربي أن يمر بها.

 

وللتعليق على هذه المسألة، أذكر شهادة ووجهة نظر سمعتها من أحد الذين كان لهم رأيهم وتأثيرهم في أحداث الربيع العربي. وجهة النظر هذه كانت قبل أن يحرق  محمد البوعزيزي نفسه  بسنوات عدة– رحمه الله.

 

أذكر أنه في عام 2004، أي قبل حوالي أحد عشر عاماً من الآن، حضر الشيخ راشد الغنوشي إلى ماليزيا. حيث كان مدعواً للمشاركة في مؤتمر دولي أعدته “الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا”.وقد استغلت جمعية طلبة الدراسات العليا وقتها حضوره،  فقامت باستضافته في محاضرة عامة أتاحت له من خلالها أن يطرح أفكاره وآراءه، ومن ثم يناقشها مع الحضور الذي امتلأت به القاعة.

 

 كان الحديث يدور حول تجربة حركة النهضة التونسية مع نظام بن علي، وما نتج عن خوض الحركة للانتخابات التشريعية التي انتهت بفوزها بالأغلبية، وهو الأمر الذي يعني فوزهم برئاسة الحكومة وإنهاء نظام بن علي بشكل ديمقراطي وحضاري.

 

كان حديث الشيخ الغنوشي مختصرا ومقتضبا، لم يتطرق فيه إلى التفاصيل التي أسهب في شرحها وبيانها رفيقه في تأسيس الحزب الشيخ عبد الفتاح مورو، حيث فصّل في بيان تلك المرحلة أثناء شهادته على العصر على شاشة قناة الجزيرة مؤخرا.

 

ذكر الشيخ الغنوشي وقتها أن حركة النهضة أدت ما عليها أمام شعبها وأمام الله. فدخلت الانتخابات بطريقة ديمقراطية، وحظيت بأغلبية أصوات الناخبين في انتخابات نزيهة لم تشبها شائبة، ولكن ذلك لم يشفع لها أمام نظام بن علي الذي رفض أن يقبل بهذه النتيجة، فاختار الانقلاب عليها، وإيقاع مختلف أنواع التشريد والتنكيل بأعضاء هذه الحركة.

 

لازلت أذكر مقدار الأسئلة والاعتراضات التي أظهرها عدد كبير من الحضور في تلك الأمسية العامة، كان جل الاعتراضات والمداخلات تدور حول اتهام حركة النهضة بالتنازل والتراجع بسبب الخوف من بطش يد السلطة الجائرة. وكأن لسان حالهم يقول للشيخ: “لماذا تعطون الدنية في دينكم وشأنكم بعد أن وصلتم إلى رئاسة الحكومة”. هي ذات الجملة التي نسمعها ونقرأها اليوم من بعض من يتهمون الإخوان المسلمين في مصر بأنهم استمرؤوا الضعف والخضوع، وأن مسيرتهم عبر عشرات السنين التي اتسمت بتضييق السلطات عليهم وسجنهم وتعذيبهم وقتلهم، كل ذلك جعل منهم يعتادون هذا الحال، ومن الصعب عليهم العيش والتأقلم خارج مظلته.

 

احتوى الشيخ راشد الغنوشي كل تلك المداخلات والاعتراضات وصرح قائلاً أننا إذا لجأنا إلى العنف وحملنا السلاح فنحن نوجهه إلى أبناء وطننا وجلدتنا، وستكون محصلة ذلك مجازر ودماء، وأرواح أبرياء تزهق بغير وجه حق، ومع التجربة الجزائرية عنا ببعيد. ووصف استعداد أبناء الحركة بالتضحية مقابل المحافظة على استقرار وسلامة تونس، فأن يقع التهجير والسجن والتعذيب على أبناء الحركة أهون عليهم من أن يجروا هذا العذاب إلى كافة أبناء الوطن، وختم النقاش بتعليقه:”نحن قدّمنا أقصى ما نستطيع، فبعد كل ذلك ليس أمامنا إلا الصبر والتوكل على الله، ثم على شعبنا”.

 

لا أنكر أنني كنت أحد الذين اقتنعوا بطرح الشيخ وقتها، وخرجت مقتنعا بأن لعبة السياسة تشوبها الكثير من الحسابات والتقديرات المعقدة، قد تبني وتخطط لهدفك بالشكل الصحيح، ومن ثم تسير حسب المخطط، ولكن عليك أن تتوقع أن ينحرف بك المسار في أي لحظة، أو أن تحصل نتائج غير ما كنت تتوقع.

 

وبعد حوالي عقد من الزمن مر على هذا اللقاء؛ طفح كيل الشعب التونسي بنظام بن علي، وثار عليه وأجبره أن يفر هارباً، و أوصل حركة النهضة إلى رئاسة الحكومة التي منعت منها من قبل. ومع أن الوصول الثاني للسلطة جاء عن طريق انتخابات شرعية ونزيهة أيضا، إلا أن الصمود أمام نظام أحكم سيطرته على مفاصل الدولة لعقود ليس بالأمر الهين. فالثورات لا تؤتي أكلها بين عشية وضحاها، والعامل الأساسي في لعبة السياسة هو النفس الطويل والصبر على النتائج، ويحسب لحركة النهضة أن حافظت على استقرار أمن بلادها، وصانت الكثير من الدماء والأرواح.

 

قد يقول قائل إن لكل بلد خصوصيته وقراءته، وقياس التجربة التونسية على المصرية أمر لا يستقيم. فدور الجيش في مصر كان على النقيض من دور شقيقه التونسي، وهو أمر صحيح، فقد بدأ الانقلاب العسكري بمظهر المنقذ والمخلّص للبلاد، الذي كان ينوي نقل مصر إلى دفة الأمان والخلاص من “حكم الإخوان” الذين كادوا أن يوردوها المهالك. لكن لم يستطع هذا النظام الانقلابي أن يحافظ على صورته هذه لأشهر قليلة، ولم يصمد أمام الزخم الكبير من المتظاهرين والمعتصمين في ميدان رابعة، والذين لفتوا أنظار العالم إلى قضيتهم وكشفوه على حقيقته في المجامع الدولية، فما كان منه إلا أن أسال الدماء، وكشف عن حقيقته، ويوما عن يوم تجلت الصورة الحقيقية لهذا النظام الذي ألحق أصناف البطش والتنكيل بمعارضي الانقلاب. وقد أظهر أنه مستعد على أن يلوي عنق القانون كي لا يكون عائقاً أمام انطلاق يد البطش والقتل والتعذيب على الشكل الذي يريد، لأن “العدالة مغلولة بالقانون”من وجهة نظره. وهذا يظهر الفارق بينه وبين المؤسسة العسكرية في تونس.

 

ولكن هل تسليح الثورة هو الحل؟، للإجابة على هذا التساؤل علينا أن نرسم السيناريوهات المتوقعة في حال قرر الإخوان التخلي عن سلميتهم، واستبدلوا شعارهم بـــــ: “سلاحنا أقوى من الرصاص”، تخيل هذه السيناريوهات يأتي عن طريق الإجابة عن هذه التساؤلات:

 

– تجاه من سيوجه الثوار أسلحتهم، هل ستكون موجهة إلى صدور عدو خارجي من غير جلدتهم ودينهم؟ أم تجاه مواطن مصري ربما لم يستطع أن يرفض أوامر قادته العسكريين؟

 

– من الذي سيضمن تنظيم وانضباط حركة التسليح بشكل يجعل السلاح محصورا في يد الثوار؟ وهل سنكون في مأمن من ظهور فصائل وتنظيمات مسلحة متعددة ومتشعبة؟ وهل سيلقون بأسلحتهم إن تم إسقاط الانقلاب العسكري؟

 

– ماذا ستكون ردة فعل الجماعات المسلحة المتطرفة، هل ستبقى محصورة في حدود سيناء؟ فالمعروف أن هذه الجماعات لا تنبت ولا تتكاثر إلا في المناطق المضطربة، فهل نستبعد ظهور مراكز لها في القاهرة والإسكندرية مثلا؟

 

– من سيلوم النظام الانقلابي وقتها إن أسهب بالبطش والقتل وإسالة الدماء في كل مكان؟ بل ألن يجد المجتمع الدولي ذلك مبررا لدعمه ومده بالسلاح والعتاد؟

 

– هل سيجد السيسي فرصة أفضل له من العنف ليغطي بها ملفات فشله في حكم البلاد على مدار عامين تقريبا؟

 

– والسؤال الأخير وربما الأهم، ما هو مصير المواطن الأعزل؟ وما هو مصير النساء والأطفال والشيوخ في كل هذا؟

 

لا ننكر أن الأزمة التي تعصف بمصر عصيبة جداً، وأن البلاء الذي وقع بأهلها ومعارضي الانقلاب على وجه التحديد ليس بالبلاء الهين. ولكن ليس من الإنصاف أيضا أن نتهم من يتمسك بالسلمية للمحافظة على أرواح الأبرياء والمدنيين بالضعف أو الخنوع. بل على العكس، أن تكون ذا قوة وتمكن، ومن ثم تفضل الصبر على استخدام هذه القوة في سبيل مصلحة الوطن على حساب المصلحة الفردية، فهذا دليل قوة لا ضعف.

 

فما هو الحل إذن؟

 

الجواب قاله الشيخ راشد الغنوشي من قبل: “ليس أمامنا إلا الصبر والتوكل على الله، ثم على شعبنا”. وضع تحت كلمة “شعبنا” ما شئت من الخطوط، فما كان لهذا الانقلاب العسكري أن يكون لولا تشتت كلمة الثوار.

* باحث أردني

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان