العائدون من 30 يونيه

لا بد أن يقر الجميع بالفشل دون تعالٍ أو غرور، يجب البحث عن شخصية جامعة وشعار جامع، ورؤية تتلاقى مع يناير ومع رغبة الجماهير من جيل الثورة الذي خرج في 30 يونيه لأن دافعه كان من أجل الوطن رغم فداحة الثمن.

أحمد قناوي*
كانت مظاهرة كبيرة وضخمة وحاشدة فتحت الباب لعزل مرسي وتولية السيسي، بعدها بأشهر قليلة تم حظر المظاهرات وتجريمها، وبدا الأمر كمن استخدم سلمًا للصعود ثم قذف به بعيدًا وهي تهمة كان يُتهم بها الإخوان عن توقع لا عن فعل.
 جيل 30 يونيو عماده كان الشباب الحالم والخائف، الحالم بدولة مدنية ديمقراطية تحتل الحقوق الشخصية والفردية المقدمة فيها، وهي الحقوق التي تخوَّف العديد منهم عليها بسبب حشر الدين الإسلامي الحنيف في تفاصيل لا يستهدفها بل تركها للناس، تخوف كان يزكيه عدد من المشايخ صاروا نجومًا إعلاميين وبدا أن لغة فجة لاستخدام الدين ضد المعارضين تطرح بقوة وهي لغة امتدادها الطبيعي فيما بعد هو التكفير ثم إباحة الدماء، تخوف من بيروقراطية جماعة لا تقل عن بيروقراطية نظام مبارك، فرئيس الوزراء الذي اختاره الرئيس مرسي بعد فترة بحث وتمحيص قاربت الشهر الكامل بعد فوزه كان صادمًا؛ فالرجل كان موظفًا بيرقراطيًا في دولة مبارك ولا يعكس اختياره انحيازًا واضحًا للثورة، وكان ذلك يعني أن معايير الاختيار لدى مرسي هي ذاتها معايير نظام مبارك، الموظف المطيع أولى من الموظف الكفء، كانت روح الثورة – التي كانت واضحة في خطاب الدكتور مرسي في ميدان التحرير – قد خبت وتراجعت ثم تذكرها الدكتور محمد مرسي بعدها بستة أشهر تقريبًا حين قرر عزل النائب العام بقرار، بدا أنه مخالف للقانون، فضلاً عن أن الحجج الثورية كانت قد ولت لأن ذلك لم يكن في اليوم التالي لخطاب التحرير بل بعد ذلك بستة أشهر وبات الأمر كما أنه استدعاء للثورة حين تكون في خدمة الجماعة لا في خدمة الوطن، ثم الإعلان الدستوري الذي يحصن مجرد قرارات إدارية من الطعن، ثم مخالفة الاتفاق مع عدد من القوى الوطنية التي أخذت على عاتقها حشد شباب يناير للتصويت لصالح الدكتور مرسي في مواجهة أحمد شفيق على استحقاقات محددة خالفها الدكتور مرسي فور نجاحه ليفك بنفسه عرى تواصل حقق نصرًا.
شكل كل ذلك وأكثر منه الموسيقى التصويرية لـ 30 يونيو وكانت هناك قوى حاضرة متربصة متجذرة في جسد الدولة وأجهزتها علي استعداد للتناغم الكاذب مع مخاوف الشباب، وجيل لم يشارك في معارك ممتدة طويلة تضيف له خبرة لأن جل هذا الجيل كانت مشاركته فقط ثورة يناير، وكان تعاطي السلطة والجماعة يتسم بالغرور الذي وصل إلى حد الغباء الشديد في قراءة ما يحدث على الأرض وبين الناس وفي خطاب الشباب، فسار كل إلى طريقه أو أصر عليه دون أي تغيير، حتى وقعت الواقعة 30 يونيو.
كان يوم 3/ 7 هو بداية وضوح الهدف وحين حدثت مذبحة رابعة والنهضة بات وضوح الهدف صادمًا وكارثيًا في ذات الوقت، وكانت استقالة الدكتور محمد البرادعي شارة الرجوع والعودة؛ فالجنون والاستئثار والقمع والدم سيكون شعار المرحلة القادمة، فنفض الجميع يديه من السير في طريق كارثي، وحين فعل ذلك هذا الجيل لم يكن لحساب الدكتور مرسي ولم يكن لحساب جماعة الإخوان، فعل ذلك لحساب ضميره فقط ولحساب ثورة شارك فيها وحلم بها ودافع عنها، عاد كل هذا الجيل تقريبًا وفي عودته دفع عدد ليس قليلاً من شبابه الثمن وكان القمع حاضرًا وسيف القوانين حاضرًا والسجن أيضًا، وتراص من دافعوا عن شرعية الدكتور مرسي ومن دافعوا عن شرعية الثورة في السجون وساحات المحاكم، لكن بقي هناك فارق جوهري بين الشرعيتين، شرعية مشخصنة في فرد أيًا كانت قيمته تستبعد منها بالضرورة من خرج عليه، وشرعية مثالية لحساب قضية الحرية والعيش والكرامة الإنسانية.
بعد عامين على 30 يونيه باتت مصر مختلفة موحشة وقامعة، حضر الأمن بشكه وهواجسه وغابت السياسة بتنوعها وتعددها، وبات خطاب السلطة لحد البلاهة حاضرًا وسيدًا في الإعلام وفي تحريات الأمن الوطني وفي السجون، بات الوطن أحادي الخطاب إقصائي التوجه مكارثي الوسيلة، وظل على حالهم أنصار ثورة صنعها البعض والتحق بها البعض حتى أن من التحق جعلها علامة ومن صنعها وقف مستغربًا في صراع يضع عينيه على قصر الاتحادية
بعد عامين مصر تفتقد إلى جامع وطني وتفتقد إلى شعار موحد وفوق ذلك هناك استقطاب حاد لا يرحم أحد، فأنت إما انقلابي أو إخواني.
بعد عامين لا بد أن يقر الجميع بالفشل دون تعالٍ أو غرور، يجب البحث عن شخصية جامعة وشعار جامع، ورؤية تتلاقى مع يناير ومع رغبة الجماهير من جيل الثورة الذي خرج في 30 يونيه لأن دافعه كان من أجل الوطن رغم فداحة الثمن، بدون ذلك فإن الجميع سيظل يتحرك في ذات المساحات الضيقة والشعارات الضيقة والوطن الذي ضاق بالفعل.
_____________________

*كاتب مصري ومحام بالنقض

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان