أسبوع الارتباك الصحفي في مصر

بدا للنظام الحاكم في مصر في هذا اليوم وما تلاه أن الكتيبة الإعلامية التي يحتمى بها جد واهية، وبدا غالبية رؤساء التحرير الذين يتحدثون بإسمه علي استعداد لأن يتركوا سفينته بأقصى سرعة إذا ما أحسوا بالخطر.

* عبده مغربي

 
 مر أسبوع علي أعنف حالة تخبط صحفي شهدتها مصر منذ 25 يناير2011 وحتي الآن، عندما استيقظت وسائل الإعلام فجر الأربعاء الماضي 1 يوليو 2015 علي خبر فضائية “سكاي نيوز –عربية” باستشهاد أكثر من 60 ضابطاً ومجنداً من أفراد الجيش المصري علي يد مقاتلي تنظيم داعش في سيناء الذي شن هجوماً مباغتاً علي خمسة أكمنة للجيش هناك.

وتناقلت غالبية الصحف والمواقع  الإخبارية في مصر النبأ عن “سكاي نيوز- عربية” بل أن بعضهم بدأ في إعادة صياغة الخبر، ونسب بعض معلوماته إلي مصادره الخاصة؛ كأنه حصل عليها بجهد شخصي وليس نقلاً عن الفضائية التي بثت الخبر الأول.

وظلت المواقع الإخبارية تزيد وتخصم في رقم الشهداء عبر تقارير”صحفية” متضمنة في أغلبها “معلومات”  توشك أن تقول إن التنظيم سيطر علي شبه جزيرة سيناء، إلي أن خرج المتحدث الرسمي للجيش المصري بعد ساعات من طوفان المعلومات المغلوطة ببيان صحفي مدعوم بالصور يؤكد التخبط الواضح الذي سقطت فيه أغلب المواقع الإخبارية، حتي أن تنظيم “بيت المقدس” نفسه أعلن في بيان له صد الجيش المصري للهجوم، ورده بقوه علي أفراد التنظيم ما دفعهم إلى الانسحاب، وهو ما يُعد اعتراف واضح منه بالهزيمة، في الوقت الذي صورت فيه وسائل الإعلام هذه الهجمات بأنها انتصار مبين يوشك بعده التنظيم أن يعلن سقوط سيناء.

مقال الصرصار
في هذه الأثناء كان مقال رئيس تحرير جريدة الوطن مجدي الجلاد الذي وصف فيه نفسه  بـ” الصرصار” أوضح دلالة علي حالة الارتباك التي شهدتها الصحف الموالية للنظام في تقدير الموقف، وبدا أن الجلاد يحاول أن يمسك العصا من المنتصف، بعد يوم من الهجمات وبعد أن بدا للبعض أن النظام يوشك أن يتهاوي؛ خاصة وأن هجمات سيناء أتت مباشرة بعد الهجوم النوعي علي موكب النائب العام المصري والذي انتهى بموت الرجل في عملية وصفت بأنها من أعقد العمليات الإرهابية وأكثرها دقة بعد عملية إغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري.

العملية التي وصلت إلي شخصية تحظى بحماية دقيقة أربكت حسابات الكثيرين من المحسوبين علي نظام السيسي، لسان حالهم يقول فيما يكتبون إذا كان هذا حال النائب العام وقد وصلوا إليه، فما بال الشخصيات الأخري التي وضعت علي قوائم الاغتيال وكان من بينهم رجال صحافة وإعلام.

بدا  للنظام الحاكم في مصر في هذا اليوم وما تلاه أن الكتيبة الإعلامية التي يحتمى بها جد واهية،  وبدا غالبية رؤساء التحرير الذين يتحدثون باسمه علي استعداد لأن يتركوا سفينته بأقصى سرعة إذا ما أحسوا بالخطر.

الصحف الخاصة تحولت في لحظة إلي بوق للتنظيم تنقل أخباره في صورة إنتصارات نوعية، لقد بدأ كل منهم يضع في أرشيف جريدته الصحفي ما يمكن أن يحفظ به ماء وجهه إذا ما سقط نظام السيسي، إنها لعبة قديمة جديدة، استخدموها في نهاية عصر مبارك فمنحتهم حضوراً في 25 يناير، واستخدموها في عصر الإخوان فمددت وجودهم في عصر السيسي، ويستخدمونها الآن استعداداً لغدٍ يرونه بدون السيسي ونظامه.

السيسي والمقالات المواربة
الفرق بين نظام السيسي والأنظمة التي سبقته أنه لا يقبل العمل مع من يمسكون العصا من المنتصف، إما معه وإما عليه، لا وقت عنده للأبواب المواربة، أوالمواقف المواربة، أوالمقالات المواربة أو الأخبار المواربة.

الرسالة وصلتهم في السابق بأن النظام الحالي لا يقبل بالمواقف الوسطية، لكنهم لم ييأسوا واستخدموا وسيلة الضغط علي النظام بـ”شاكوش” الأخبار الصغيرة التي تخصم منه، وتزيد في رصيدهم “النضالي” بهدوء،  فاستخدم هو معهم في المقابل “مرزبة” الإحالات القضائية للمحاكم وأنه لا عزيز لديه، نشر موقع “اليوم السابع” خبر الهجوم الإرهابي علي موكب الرئيس السيسي في شرم الشيخ، فتقدمت وزارة الداخلية ببلاغ ضد الجريدة ورئيس تحريرها، ليؤكد النظام رسالته الواضحة بأنه لا عزيز لديه، إما معه وإما عليه، حتي بعد أن عاد وسحب البلاغ، فإنه ظن أن رسالته علي الأقل  قد وصلت للجميع، ومر موقف وزارة الداحلية مع رئيس تحرير “اليوم السابع”، وظن النظام أن رسالته وصلت وأنهم التزموا بالمضامين.

بدا المشهد الصحفي قبل 1 يوليو الجاري أي قبل هجمات سيناء كأنه حالة من الشد والجذب بين نظام الرئيس السيسي وبين رؤساء تحرير الصحف الخاصة هو يطالبهم بالوضوح في المواقف وهم يستمرون في لعبتهم القديمة الجديدة، حتي جاء هذا اليوم المشئوم، الذي تخلوا فيه عن المواربة وتحولوا في لحظات قليلة إلى دواعش ينقلون أخبار التنظيم وعملياته في سيناء ببراعة قد يفشل التنظيم ذاته في تحقيقها.

“اليوم السابع” الخروج من الرعاية
لقد اتضحت صورة كل طرف عند الأخر، ومن نتيجة ذلك أن تناقلت الصفحات المحسوبة علي النظام في شبكات التواصل الإجتماعي صورة لخطاب  قديم من نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين المهندس خيرت الشاطر إلي “خالد صلاح” رئيس تحرير موقع “اليوم السابع” يطلب منه أن يجند موالين جدد للجماعة في صفوف الجماعة الصحفية، وسواء كان الخطاب صحيحاً أو مفبركاً فإنه يكشف أن “خالد صلاح” وموقع “اليوم السابع” قد خرج من عباءة الرعاية الرسمية.

ثم جاء مقال رئيس تحرير “الوطن” ليؤكد حالة الانفصال بينه وبين النظام، فقد جاء هذا المقال الذي وجهه في الأساس إلي زميله ياسر رزق  رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير الأخبار، رداً علي ما وصل للجلاد من أن رزق وصفه بـ”الصرصار” ليؤكد علي  دلالة واضحة وهي أن “الجلاد” يعاني وحشة البُعد والتهميش في الوقت الذي يحظي فيه الثنائي “ياسر رزق” و “يوسف الحسيني” بالكثير من الوصل والدلال، وقد وجد في الضبابية التي خلفتها هجمات سيناء  ومن قبلها عملية اغتيال النائب العام فرصته لكي ينفض ما يجيش بداخله من مشاعر. وأحاسيس فكتب الجلاد مقالته  يتباكي فيها علي قتلي الإخوان بنفس القدر الذي يتباكي فيه علي قتلي الجيش، ووجه خطابه  بالعموم الذي قصد منه التخصيص بعنوانه المثير:” أنا صرصار .. وأنت أيضاً” وختمه برسالة إلي “ياسر الهجان” في إشارة إلي ياسر رزق والإسقاط بالمعني من شخصية رأفت الهجان عميل المخابرات المصرية الشهير، فيسخر “الجلاد” من  “رزق ”  الذي يتفاخر بعلاقاته مع الأجهزة الأمنية بعدما وصله أن “رزق” يهمس في صفوف النخبة الصحفية بأن “الجلاد” بات مغضوباً عليه، لكن عندما تجد أن هذه الفقرة  تحديداً قد  تم حذفها بعد ذلك من المقال تعرف أن التخبط مازال حاضراً بقوة، وأن الجلاد يسعي إلي الوصل من جديد، خاصة بعدما انقلب إلى العكس، وكتب يهاجم جماعة الإخوان من جديد.

إنه التخبط عنواناً للمرحلة، وقد وصل التخبط  أشده بعدما حدث من مالك الجريدة رجل الأعمال محمد الأمين أحد أهم الداعمين لنظام الرئيس السيسي، والذي يقوم في كل زيارة خارجية للرئيس المصري بشحن موالين له علي  متن طائرة كاملة من نجوم الفن والثقافة والإعلام، فقد قام برفع اسمه كرئيس لمجلس إدارة جريدة “الوطن” التي يرأس تحريرها الجلاد، ثم تجد جريدة “اليوم السابع” تنشر خبراً بأن محمد بن رجل الأعمال وجدي كرارة أحد أباطرة نظام مبارك ومحل ثقة أركان نظامه قد اشتري الجريدة، وبعد أقل من ساعة يتم حذف الخبر من “موقع اليوم السابع”، لتكتشف وتتأكد من جديد بأن التخبط والارتباك قد وصل مداه في ماكينة الصحافة الخاصة بمصر.

الفرز ما زال مستمراً
وما تزال عمليات التخبط من جهة، والفرز والتجنيب من جهة أخري، مستمرة ومتزايدة خاصة بعد خروج مشروع قانون الإرهاب الجديد إلي العلن مع ما يتضمنه من نصوص تعاقب بالحبس لكل من نشر أخباراً أو بيانات غير حقيقية عن أي عمليات إرهابية بما يخالف البيانات الرسمية الصادرة عن الجهات المعنية. وهي نصوص تترجم حالة الانزعاج الشديد لدي النظام مما حصل من الصحف الخاصة يوم 1 يوليو  بعد هجمات “أنصار بيت المقدس”علي أكمنة الجيش في سيناء الأسبوع الماضي، وتمثل أيضاً طريقة شديدة القسوة للفرز والتجنيب، فمن هو مع القانون، هو مع النظام والدولة في مواجهة الإرهاب، ومن هو ضده هو مع الإرهاب في مواجهة الدولة، وبات علي الجميع أن يحدد خياراته بوضوح.
 من جهتي وقبل أن تسألني  عن موقفي، فإنني مع الدولة تماماً في مواجهة الإرهاب وضد الحبس في قضايا النشر، هناك عقوبات أخف وطأة من الحبس وأكثر قسوة في التأثير.
____________________

*كاتب وصحفي مصري 
 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان