البرادعي ووثيقة برناردينو للإطاحة بالرئيس مرسي

*عامر عبد المنعم

لا يتوقف الدكتور محمد البرادعي عن الإدلاء بالتصريحات التي تكشف المزيد من الأسرار المتعلقة بترتيب الانقلاب على  الدكتور محمد مرسي، ويصدر بين فترة وأخرى تصريحات انتقادية لمجمل الأوضاع السياسية الحالية في مصر وكأنه لم يكن من أركان عملية الإطاحة بأول رئيس مصري منتخب ووصول البلاد إلى ما وصلت إليه من انهيار وتراجع على كل المستوياتK وخاصة في المجال السياسي والإنساني، لكن الجديد هذه المرة ما قاله عن وثيقة برناردينو ليون التي وقع عليها البرادعي والتي تتضمن خطة الانقلاب على الإرادة الشعبية.
بالتأكيد هذا الموضوع لن يبقى سراً لمدة طويلة وستظهر هذه الوثيقة التي أعدها برناردينو وجمع عليها التوقيعات، وسنطلع على ما كتب فيها وسنعرف قائمة الموقعين الذين قبلوا التعاون مع الجهات الخارجية وشاركوا في الاتفاق السري لإعادة تشكيل النظام السياسي وفق الخطة التي جاء برناردينو مهندسا لها، لإدخال مصر في طريق تسيل فيه الدماء حتى الآن.
ما نص هذه الوثيقة؟ وما مضمون خطة الانقلاب على الإرادة الشعبية؟ وما هي تفاصيل المخطط السري الذي سبق الإطاحة بأول رئيس مصري منتخب ووضعه في السجن هو ومعاونيه وأعضاء حكومته وقتل واعتقال الآلاف من المؤيدين وتشريد الكثير من المصريين من أنصار الرئيس داخل وخارج البلاد؟
من هم الذين وقعوا على هذه الوثيقة؟ وما هي الكيانات التي يمثلونها سواء كانت رسمية أو قوى حزبية أو شخصيات سياسية؟
ما هو تاريخ صدور هذه الوثيقة؟ وكم المدة التي سبقت بها 30 يونيو و3 يوليو 2013؟
ما هي الصفة التي جاء بها برناردينو؟ هل كان يمثل حلف الناتو؟
هل وضع برناردينو خطة الانقلاب ممثلا للأمم المتحدة؟
في حدود علمنا لم يعرف عن الدبلوماسي الإسباني برناردينو ليون من قبل أنه تولى منصبا رسميا يعطيه حق التحرك لإسقاط نظام حكم في دولة ذات سيادة، وفي حدود ما نعلم أن ليون لم يظهر اسمه إلا في أغسطس 2014 م، عندما  تم تعيينه رئيسا لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، خلفا لطارق متري، ويبدو أن هذا التعيين كان مكافأة له ليقوم بنفس الدور وهو نزع الشرعية عن فجر ليبيا التي كادت أن تسيطر على كل ليبيا.
التكتم على مهمة برناردينو حتى الآن وعدم الإفصاح عنها من أي منظمة دولية معترف بها يؤكد أنه كان في مهمة سرية، ولا تجرؤ أي منظمة على الإعلان عن صلتها بما جرى، وهذا يجعلنا أمام مؤامرة سرية خارجة عن القانون الدولي والمشتبه فيه هنا هي الأمم المتحدة التي يرتبط بها برناردينو وهنا نجد أنفسنا أمام موضوع في غاية الخطورة وهو التورط الدولي في عملية الانقلاب ضد رئيس منتخب وليس الأمر مجرد شأن مصري كما صور البعض.
هذه الوثيقة التي كشفها البرادعي تجعلنا نعيد التفكير في الكثير من التفسيرات التي طرحت على الساحة منذ ما قبل 30 يونيو، وتقتضي إعادة دراسة ما تم حتى نفهمه بشكل صحيح حتى لا نبني استنتاجات غير صحيحة ونتعاطى مع مجمل ما يحدث بشكل بعيد عن الواقع الذي يجري على الأرض.
وثيقة برناردينو تؤكد أن الإطاحة بالرئيس محمد مرسي تمت بعد جهد غربي مدروس ومخطط جيدا وتتويجه باتفاق بين قوى متنفذة وشخصيات مصرية مرتبطة بالقوى الغربية لمنع الإسلاميين من تولي السلطة ولضمان عدم خروج الحكم المصري عن التبعية والهيمنة الغربية.
الوثيقة تكذب الادعاءات بأن التحرك ضد الدكتور محمد مرسي كان داخليا محليا وأن الانقلاب كان ضرورة وبإرادة شعبية واستجابة لمطلب متظاهرين، فالوثيقة سابقة على ما تم أي أن المظاهر الاحتجاجية التي تم استغلالها وتضخيمها وتوظيفها كانت الديكور المطلوب لإخراج ما تم الاتفاق عليه وهندسته بواسطة برناردينو ليون.
وثيقة برناردينو تفسر ما قامت به السفارة الأمريكية بعد 3 يوليو من التواصل مع القوى السياسية لتشكيل الحكومة الجديدة برئاسة البرادعي وقد صرح أحد قادة حزب النور باتصالات السفيرة الأمريكية وإلحاحها على قبول البرادعي رئيسا للحكومة مقابل ما يريدون من حقائب وزارية.
لم تأخذ هذه الوثيقة حظها من الاهتمام رغم خطورتها، لكن الأيام ستكشف المزيد من المعلومات التي ستعيد رسم الصورة بشكل حقيقي، لكن علينا أن نقف أمام أخطر دلالاتها وهي أن الدول الغربية المهيمنة لا تريد أن تتعامل بشكل منصف مع حق الشعوب في اختيار نظامها السياسي واختيار حكامها بإرادة حرة نزيهة، ولا يحترم الغرب الديمقراطية التي يرفع لوائها إذا جاءت بالإسلاميين حتى لو كانوا يقبلون بفكرة التعاون والتعايش مع الغرب، ولا تتردد القوى الغربية في حماية الاستبداد وصناعته وتقديم الدعم للثورات المضادة بخلاف ما تدعيه من قيم.
لا يدرك الغرب أن روح التغيير والتمرد في العالم العربي أكبر من الاحتواء والتطويع، ويبدو أن الساسة الغربيين لا يستوعبون حجم التغير الذي حدث في منطقتنا وأن ما كان ممكنا في السابق من سياسات الهيمنة لم يعد مقبولا اليوم، وأن فكرة التصدي بالقوة لحركة التغيير لم تعد مجدية لتخويف الشعوب بل تؤدي إلى نتائج عكسية يصعب السيطرة عليها.
ما يفعله الغرب من تقديم الدعم للدوائر الكارهة للهوية الإسلامية ولمنع الإسلاميين من الوصول للسلطة بالطرق الانتخابية السلمية ينعكس على ما يصرخ منه من توسع “الدولة الإسلامية” في العراق وسوريا ومناطق أخرى، فالاستبداد يتسبب في انهيار الحكومات لصالح أصحاب نظرية “إدارة التوحش” ومنع التغيير بالقوة أدي إلى اتساع الرقعة الجغرافية للصدامات المسلحة وسط حواضن شعبية يقف الجيش الأمريكي نفسه بكل ما يملك من أسلحة فتاكة عاجزا أمامها وغير قادر على القتال.
العالم يحتاج إلى قدر من العقل والحكمة فسعي الشعوب للتحرر والرغبة في التغيير واختيار حكومات جديدة تمثل شعوبها وغير فاسدة يشبه طوفان هادر، قد يتعثر مؤقتا بسبب الممانعة من الدوائر المهيمنة لكنه سيتصاعد ويتواصل إلى أن يصل إلى هدفه، ومن مصلحة النخب المسيطرة على القرار في الغرب أن يقبلوا بالتغير الحادث وأن يدركوا أن جدار الهيمنة يتآكل ويريد أن ينقض، ومن مصلحة الغربيين التعايش مع التغيير ليكسبوا بعض الشيء وألا يقفوا ضده فيخسروا كل شيء.

_____________________

*كاتب وصحفي مصري 

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان