“التفريعة”.. وفرحة الندامة

الزيادة المتوقعة في إيرادات القناة بعد افتتاح التفريعة توازي نصف بالمائة من التكاليف و إننا بحاجة إلى 200 عام لاسترداد هذه التكاليف، وإن إيرادات الموازنة ستقل بمقدار عشرين مليار جنيه سنويا
أشرف بدر الدين*
![]() |
بعد أن ذهبت السكرة وجاءت الفكرة وانفض السامر وانتهى الفرح تعالوا معا نضع كشف حساب لمشروع التفريعة المسماة قناة السويس الجديدة.
يعاني الاقتصاد المصري من هشاشة الناتج المحلي وغلبة الأنشطة الريعية مثل السياحة وقناة السويس على الأنشطة الإنتاجية، وهو ما يجعل مصر مفتقرة إلى قواعد إنتاجية تمكنها من تحقيق التنمية الذاتية، كما تعاني مصر من ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب التي وصلت إلى26.3% بحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وعجز الميزان التجاري حيث تبلغ قيمة الواردات ضعف قيمة الصادرات، وتراجع حاد في مصادر النقد الأجنبي وغيرها من المشاكل، فهل تساهم التفريعة الجديدة في علاج شيئ من هذه المشكلات؟
بدأت الحكومة المشروع دون دراسة جدوى، ولم تعلن تكاليف المراحل المختلفة له، وغابت الشفافية فلم يعلم أحد هل تم استخدام المبالغ المحصلة بالكامل أم لا؟ وفي ظل عجز شديد في موارد النقد الأجنبي نشرت جريدة التحرير بتاريخ 9أغسطس الجاري تصريحا ليحيى أبو الفتوح عضو مجلس الإدارة التنفيذي بالبنك الأهلي المصري قال فيه إن هيئة قناة السويس اقترضت مبلغ يقترب من مليار دولار من حوالي 8 بنوك لتغطية احتياجات المشروع الدولارية.
كما نشر موقع مصر العربية بتاريخ 27 يوليو الماضي، أن شركة الجرافات البحرية الإماراتية العاملة في مجال التجريف والإنشاءات البحرية قالت في بيان لها أنها استكملت أعمال مشروع قناة السويس الجديدة بتكلفة بلغت 1.5 مليار دولار أمريكي، و نشرت جريدة البورصة بتاريخ 26 يوليو الماضي تصريحا لأحمد سليمان نائب مشروع قناة السويس الجديدة جاء فيه أن إجمالي تعاقد هيئة قناة السويس مع الهيئة العامة للبترول لتوفير وقود لماكينات الحفر والتكريك والقاطرات المشاركة في أعمال حفر القناة الجديدة وصل إلى 45 مليون دولار، وذكر موقع صدى البلد يوم 13 يونيو الماضي أن هاني شكري ممثل شركة WPP في مصر التي فازت بتنظيم احتفال افتتاح قناة السويس الجديدة قال إن تكلفة حفل الافتتاح تبلغ 30 مليون دولار أمريكي.
يعلم الجميع أن الحكومة جمعت أموال شهادات استثمار القناة بالجنيه المصري وليس بالدولار، وقد أدى تحويل جزء كبير من هذه الأموال إلى الدولار الأمريكي لسداد مستحقات الشركات الأجنبية التي حفرت التفريعة ونظمت الاحتفال إلى الضغط على الاحتياطي النقدي، مما أدى إلى رفع سعر الدولار مقابل الجنيه حتى وصل إلى 7.83 جنيه، وقد تبع ذلك ارتفاع أسعار السلع والخدمات، وانخفاض رصيد النقد الأجنبي حيث أعلن البنك المركزي المصري أن صافي الاحتياطات الدولية وصل إلى 18.53مليار دولار في نهاية يوليو 2015، بعد أن وصل إلى 20.08مليار دولار في نهاية الشهر السابق.
من جانب آخر أعلن وزير المالية في بداية المشروع أنه سيتم تجنيب 12 مليار جنيه سنويا من الإيرادات العامة بالبنك المركزي لحساب هيئة قناة السويس لتغطية تكلفة تمويل شهادات استثمار القناة كما ستتحمل الخزانة العامة أيضا مبلغ 7.5 مليار جنيه كفوائد لهذه الشهادات، ومعنى هذا أنه سيتم تخصيص 20 مليار جنيه من الموازنة العامة للدولة سنويا لسداد قيمة وفوائد شهادات استثمار قناة السويس ليصبح إجمالي ما تتحمله الموازنة خلال خمس سنوات 100 مليار جنيه، مما سيؤدي إلى زيادة عجز الموازنة, وأمام بنود إنفاق حتمي كالأجور والفوائد لن تجد الحكومة سبيلا سوى مزيد من خفض الدعم وخفض الإنفاق على الاستثمارات العامة وما يتبعه من نقص وتدني مستوى الخدمات العامة، فهل عائد التفريعة الجديدة قادر على سداد تكاليفها وتحقيق فائض؟
جاء في البيان المالي للموازنة العامة للدولة للعام المالي الحالي ” بلغت تقديرات الفائض من هيئة قناة السويس خلال العام المالي 2015/2016 نحو 19.692 مليار جنيه، بزيادة قدرها 542 مليون جنيه وبنسبة نمو قدرها 2.8% عن متوقع العام المالي 2014/ 2015″.
معنى هذا أن الزيادة المتوقعة في إيرادات القناة بعد افتتاح التفريعة توازي نصف بالمائة من التكاليف وأننا بحاجة إلى 200 عام لاسترداد هذه التكاليف، وأن إيرادات الموازنة ستقل بمقدار عشرين مليار جنيه سنويا، وهذا المبلغ يزيد عن فائض القناة حاليا، بمعنى آخر سيخسر المصريون قيمة فوائض القناة التي تدخل الموازنة لمدة خمس سنوات.
هذا جزء من الخسائر المباشرة، فماذا عن الخسائر غير المباشرة؟
جاء في خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للدولة للعام المالي 2015/2016 أن حجم الاستثمارات الموجهة لوزارتي التربية والتعليم والتعليم الفني والتدريب والجهات التابعة لها بخطة عام 2015/2016 نحو 5.059 مليار جنيه، وأن الاستثمارات الموجهة لدعم البحث العلمي نحو 1.1 مليار، كما بلغت الاستثمارات المستهدفة لتطوير الخدمات الصحية نحو 6.5 مليار جنيه، وبلغت الاستثمارات المستهدفة بقطاع الصناعات التحويلية مبلغ 52 مليار جنيه يخص القطاع الخاص منها 43 مليار جنيه.
معنى هذا أن قيمة تكلفة التفريعة والفوائد تساوي عشرين ضعف الإنفاق السنوي على استثمارات التعليم، أو مائة ضعف الإنفاق على البحث العلمي أو خمسة عشر ضعف الإنفاق على الخدمات الصحية، أو أحد عشر ضعف الاستثمارات الحكومية في قطاع الصناعة التحويلية.
فماذا لو تم استثمار أموال التفريعة في التعليم أو البحث العلمي أو الصحة أو الصناعات التحويلية ؟ وكم كان سيتوفر من مئات الآلاف من فرص العمل الدائمة ، وكم كان سيطرأ من تحسن في مستوى الخدمات وزيادة الصادرات وزيادة معدلات النمو؟ هذه بعض الخسائر غير المباشرة التي تفوق أضعاف تكلفة التفريعة، فإذا أضفناها إلى الخسائر المباشرة التي ذكرناها سابقا فهل يحق لمصر أن تفرح؟
_____________________
*عضو البرلمان المصري
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
