تناحر قوى الشعب العاملة

في الستينيات حكم مصر نظام فلسفته “تحالف قوى الشعب العاملة” لمواجهة التعددية، والآن يحكم مصر نظام يسعى للهدف نفسه بفلسفة تقوم على تناحر قوى الشعب العاملة.. يتبع.

محمد منير*
في الستينيات من القرن الماضى حكم مصر نظام تقوم فلسفته السياسية على فكرة ” تحالف قوى الشعب العاملة”  بهدف  مواجهة التعددية والحزبية، وفي الربع الأول من القرن الحالى  يحكم مصر نظام يسعى إلى الهدف نفسه، ولكن بفلسفة مختلفة تقوم على  تناحر قوى الشعب العاملة. 
الأسبوع الماضي شهدت القاهرة أكبر تجمع احتجاجي بعد ثورة 2011، وهي مظاهرة ليست سياسية وإنما فئوية نظمها الموظفون المصريون بقيادة موظفي الضرائب إحتجاجا على قانون الحماية المدنية.
اللافت أن  قدر الموظفين في مصر أن يوضعوا في قالب نمطي يجعلهم مؤئولين عن كل الفشل الاداري الذي تشهده أروقة المصالح الحكومية، برغم الوضع الاجتماعي الذي فُرض عليهم والذي جعلهم في نهاية الخريطة الطبقية في مصر، وتحول معظمهم إلى البحث عن طرق بديلة موازية للعيش، سواء كانت طرقاً شرعية أو غير شرعية .
اشتمل قانون الخدمة المدنية على 7 محاور، من بينها مراجعة الإطار التشريعي المنظم لأعمال الجهاز الإداري للدولة، لتقرر الحكومة إلغاء قانون العاملين المدنيين بالحكومة رقم 47 لسنة 1972، الذي استمر لنحو 43 عاماً، خضع خلالها لأكثر من 200 تعديل ليتم وضع القانون الجديد بدلاً منه.
وتتركز معارضة الموظفين على عدد من المواد، في مقدمتها المادة 35 الخاصة بنظام الأجور الجديد، والتي قسمت المرتب إلى أجرين فقط الوظيفي والمكمل، والمادة 36 والتي حددت العلاوة الدورية للموظف بنسبة 5% من الأجر الوظيفي، ما أدى إلى تخفيض الزيادة السنوية للمرتب، والمادة 59 والتي يرى الموظفون أنها تمنح سلطات أوسع للمديرين، حيث تمنح المادة للرؤساء المباشرين حق حفظ التحقيق أو توقيع جزاء الإنذار أو الخصم من الأجر على المرؤسين.
من المؤكد أن المتظاهرين من الموظفين ليسوا من الفئة التي وجدت حلولا موازية  لمشاكل الدخل المتدني، فهم أصحاب مشكلة حقيقة جعلتهم يثورون على القانون الجديد، الذي تم وضعه بزعم حل مشكلة الجهاز الإداري في مصر، وحمل جوهره مزيداً من القيود على الموظفين بعد أن ربط التدرج المالي وزيادة الراتب بتقارير الكفاءة ، وهي فكرة للوهلة الأولى تروق لأي شخص وتبدو عادلة وحاسمة، إلا أنه في ظل منظومة الفساد والمحسوبية والانهيار القيمي الذي يحكم مصر ينكشف جوهرها كفكرة ظالمة، الغرض منها التضييق على صغار الموظفين وتوفير فائض مالي من بند الأجور للخروج بالدولة من أزمتها المالية، ولتبرير تخليها عن مسؤوليتها في رعاية مصالح الفئات المختلفة وفي مقدمتهم الموظفين الحكوميين، الذين لم يصدقوا النوايا المعلنة حول القانون.
اللقطة اللافتة هى عزوف كثير من  الصفوة السياسية عن التضامن مع مطالب الموظفين بحجج كثيرة، أبرزها: أن الموظفين فئة ضارب فيها الفساد ومنتشر بينهم الرشاوى، وأن المواطنين يعانون بشدة من التعامل مع الموظفين الذين يعطلون مصالحهم .
هذه هي الصورة التي تم تصديرها عن الموظفين عمداً، لتجد الدولة فيها ذريعة لانهيار جهازها الإداري النابع من فساد الفئة الحاكمة والطبقات المحيطة بها، وهو المبرر نفسه الذي ساقته الدولة عن فساد المنظومة الصحية عندما حملت الأطباء المسؤولية وألصقت بهم تهم الإهمال والاستهتار، وهي الصورة التي تقبلتها الصفوة السياسية المصرية نظرا لطبيعتها الفوقية المتعالية، وانفصالها عن هموم الفئات المجتمعية المختلفة.
منذ أسابيع اضطرتني حالتى الصحية إلى الحجز بإحدى المستشفيات الحكومية غير المجانية، وهناك شاهدت أطباء وهيئة تمريض يعملون بطريقة أقل وصف لها هي التعبير المصري “يغزلون برجل حمار” يعملون بطاقة مضاعفة وبإخلاص شديد في ظل فقر شديد في الإمكانات والأدوات والأدوية. وهناك، وبرغم مرضي، غلب علىّ الطابع المهني، فتحريت عن أسباب الانهيار الذي تعانيه المؤسسات، فوجدته انهيارا متعمدا، حيث تقدم هذه المؤسسات الفقيرة أفضل خدمة صحية بأقل الإمكانات وهو ما يؤدي إلى ظهور خلل في شكل تقديم الخدمة وعدم القدرة على استيعاب عدد كبير من المرضى. والسبب لا يرجع إلى إهمال الأطباء وهيئة التمريض، كما تحاول الحكومة إيهام المواطنين، وانما بسبب عزوف الحكومة عن توفير الميزانية اللازمة لرعاية المرضى، برغم تحصيل مقابلها من الضرائب الباهظة والرسوم الحكومية، وبرغم أن هذه المستشفيات لا تقدم هذه الخدمات بالمجان، بل إن بعض الوحدات ذات الرسوم الزهيدة تدر هامش ربح لايعود على المستشفيات، وإنما تستولى عليه خزينة الدولة!  كما أن الظروف القاسية التى يعمل فيها الأطباء وهيئات التمريض تجعلهم يهاجرون، إما للقطاع الخاص الذى يرث سوق تقديم الخدمات الصحية، أو الى الخارج، وهو ما يؤدي إلى نقص في الإمكانات البشرية.
الصورة نفسها في أروقة المصالح الحكومية، ولكن بتفاصيل تبدو مختلفة، نظرا لطبيعة الجهاز الإداري المتضخم، والذي يدفع بالموظفين لإيجاد قنوات بديلة تعوض ضعف الدخل وبالتالى يقل جهدهم عن تقديم الخدمات فى ظل ضعف الامكانيات ، وهو ما تعتمد عليه الحكومة فى تصدير الصورة الذهنية عن الموظفين والاطباء بإعتبارهم مسؤولين عن الفشل الذى يضرب بجذوره فى أجهزة الدولة، ولتبعد التهمة عنها، ومن أجل إحداث وقيعة بين فئات الشعب ليسهل السيطرة عليهم وإصدار القوانين الهادفة لمزيد من الانتهاك والاستغلال، وفى الوقت نفسه يقف رجال الأعمال والاستثماريين ليتلقفوا المشروعات الهاربة من القطاع الفاشل ويحققوا بها استثمارات متنامية يوجه جزءا كبيرا منها كرشاوى للمسؤولين ودوائر اتخاذ القرار، ليبقى الوضع على ما هو عليه.

 الفساد فى الرأس وليس فى الجسد ياسادة.
________________________

*كاتب وصحفي مصري

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان