السيادة السورية .. واستبدال العملة

تجاهل أصحاب هذا القرار السيادي الكثير من العوامل السيادية أيضاً، وأول هذه العوامل أن يكون لديهم مصرف مركزي يدير عملية الاستبدال ويؤمن الرواتب.. يتبع.

ابتسام تريسي*

 
احتار الشعب السوري في الوسيلة الناجعة لإسقاط النظام، المظاهرات السلمية لم تجدِ نفعاً، فذهب إلى السلاح ولم يجدِ السلاح نفعاً، ربما لأن “خيار” السلاح كان عبر جماعات متفرقة أضحت كتائب ضخمة وبقيت متفرقة، وآخر ما تفتقت به الذهنية العبقرية للهيئة الشرعية في حلب، كان استبدال العملة التركية بالعملة السورية. حسناً إنّه أمر سيادي بالتأكيد وقرار استبدال العملة في أيّ مكان في العالم هو قرار سيادي بغض النظر إن كانت السيادة شرعية أم غير شرعية، كأن تكون قوة احتلال مثلاً، ولأنّه كذلك فقد لوحت الهيئة الشرعية بالقوة من خلال إعلانها أنّ هذا القرار مدعوم من الفصائل العسكرية على الأرض، بذلك يتحقق لأصحاب فكرة استبدال العملة في الشمال السوري قوة مضاعفة على الإنسان البسيط: جبهة علماء بلاد الشام جاهزة للرد على المواطن البسيط رداً شرعياً يخرسه إلى الأبد، فهم ممثلو الله على الأرض، في حين تتولى القوة العسكرية فرض الأمر عليه إن لزم الأمر. إذن تحقق الجانب السيادي في القرار، وجريا على عادة النظام عندما يريد أن يكرس أمراً ما فإنه يسخّر الإعلام، الندوات، والمؤتمرات لشرحه فقد لجأت الهيئة الشرعية ولجنة الاقتصاديين الأحرار إلى اللعبة ذاتها عبر ندوة قامت بها نقابة الاقتصاديين الأحرار في حلب، وشرحوا موجبات هذا القرار (فقدان الليرة السورية لقيمتها الحقيقية، ارتهان قيمة الليرة السورية بالقرار السياسي الروسي الإيراني وليس الاقتصاد المحلي، ما يهدد بفقدان القوة الشرائية وبشكل مفاجئ، وقيام النظام بسحب العملة الأجنبية واستبدالها مقابل عملة سورية ليس لها رصيد) وقد أضاف أحد الناشطين سبباً قد يكون أكثر وجاهة من كلّ هذه الأسباب وهو رد الجميل للحكومة التركية التي قدمت الكثير للشعب السوري، ونحن العرب كرماء جداً ومعروفة قصص جدنا الطائي الذي ذبح فرسه ليطعم ضيفه، فكيف إذاً وجمائل تركياً قد طمرتنا، أقل تقدير نقدمه لها هو حلب بما فيها.
وكعادتنا نحن العرب في طمر المساوئ وتأجيل المشاكل عسى أن يكرمنا الله بحل من عنده فقد تجاوزت نقابة الاقتصاديين الأحرار كلّ مساوئ هذا القرار، وفي واقع الأمر هم يحاولون التغطية على السبب الرئيس لهذا القرار والذي فضحه رجل الأعمال السوري عمر حبّال في تصريح له على ( سيريا نيوز ) حيث قال: “هناك تجار حصلوا على قروض بالمليارات خاصة في حلب ويهمهم انهيار الليرة للتخلص من تلك القروض خاصة مع توقف العمل وملاحقة البنوك لهم, وهناك طبقة من التجار والمهربين والمنتفعين لديهم مبالغ ضخمة نتيجة إثراء غير مشروع ويهمهم هبوط سعر الليرة”.
هل فكرت نقابة الاقتصاديين الأحرار في حلب بالأبعاد السياسية لهذا القرار؟ هل أعمت المصالح الخاصة لفئة جشعة عيونهم للكارثة القادمة؟ أم أنهم جزء من لعبة التقسيم والتفتيت؟ وعلى فرض أنّ النظام سقط بفعل الانهيار الاقتصادي – وهذا أمر مستبعد جداً بفعل الدعم الإيراني غير المحدود – هل فكر الاقتصاديون الأحرار بصعوبات فصل اقتصاد المنطقة عن الاقتصاد التركي؟
لقد تجاهل أصحاب هذا القرار السيادي الكثير من العوامل السيادية أيضاً ليتحقق مرادهم، أول هذه العوامل أن يكون لديهم مصرف مركزي يدير عملية الاستبدال ويؤمن رواتب أكثر من نصف المليون موظف واحتياجات عشرات آلاف التجار، ولا أعتقد أنّ الأتراك وهم يحاولون الارتقاء باقتصادهم قادرون على تغطية مالية ضخمة من شأنها أن تضعف ليرتهم في الأسواق العالمية كما يؤكد بعض خبراء الاقتصاد، ربما في حال واحدة فقط تتمثل في المكاسب طويلة الأجل التي ستنجم عن تكريس فكرة التقسيم وبالتالي ستكون حلب من نصيب تركياً، خاصة وأن بعض المؤشرات بدأت بالظهور بقوة في الفترة الأخيرة من خلال قدوم الآلاف من التركمانستان للاستيطان في ريفي حلب وإدلب حاملين معهم أوراق طابو تثبت ملكية أجدادهم لهذه القرى، تساعدهم في ذلك بعض الفصائل الإسلامية التي يقاتلون في صفوفها!!
إنّه لأمر مثير للسخرية في واقع الأمر أن تصل القرارات السيادية في هذا (الوطن) إلى هذه الدرجة من الغباء أحياناً والخيانة أحياناً أخرى، لقد كان بشار الأسد يحتفظ (سيادياً) بحق الرد في الزمان والمكان المناسبين كلّما تعرض لصفعة من إسرائيل التي تحميه من السقوط لغاية الآن، كذلك وبقرار سيادي سَلّمَ بشار الأسد ما بقي من سوريا إلى إيران، وبقرار سيادي ستقبض الهيئة الشرعية رواتبها ورواتب موظفيها بالليرة التركية، وبقرار سيادي سترهن الفصائل الإسلامية في حلب المدينة للجارة والشقيقة تركيا، ولن نستبعد بعد فترة قريبة أن نتفاجأ بقرارات سيادية ترهن درعا للأردن والسويداء لإسرائيل ويتسيّد (التومان) الإيراني سلة العملات في دمشق. ليبقى المواطن السوري آخر من يهمه الأمر عند جميع الأسياد، ذليلاً مهاناً خائفاً تحت رايات بشار، ذليلاً مقهوراً مستعبداً تحت راية داعش، ذليلاً مغلوباً على أمره تحت رايات الهيئات الشرعية، أما من يرفض ذلك فمصيره المفخخات الداعشية أو المعتقلات الأسدية أو سجون الفصائل الإسلامية أو الغرق في بحر الأحلام (البحر الأبيض المتوسط).

_____________________

*روائية سورية
 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان