الأصالة والوكالة في الحرب التركية الإيرانية

عبد القادر عبد اللي*
![]() |
بعد أربع سنوات ونصف من الصراع الدامي في سورية يبرز على الساحة لاعبان رئيسان لم يتغير موقفهما من النظام السوري قيد شعرة حتى الآن، هما “حكومة حزب العدالة والتنمية” في تركيا، ونظام الولي الفقيه في إيران.
فمنذ الأشهر الأولى لاندلاع المواجهات، وعندما كانت إيران تُنكر تماماً أي وجود عسكري لها على الأرض السورية، ويدعم ادعاءاتها البيت الأبيض الأمريكي عبر المؤتمرات الصحفية الأسبوعية التي كان يقدمها، كانت جنازات مقاتلي حزب الله تشيّع في القرى والبلدات اللبنانية بحيث تفقأ عين الناطق الرسمي الأمريكي، وعلى الرغم من هذا، كان يصرّ على “عدم وجود معلومات” لديه حول القتال الإيراني ومليشياته في سورية. وفيما بعد، وبعد مقتل أعداد كبيرة من أفراد الميليشيات الآذرية والأوزبكية، والطاجيكية، والعراقية، واللبنانية… التابعة للولي الفقيه دون أن تحقق أدنى الأهداف المرسومة لها، لم يكن أمام إيران سوى التدخل بنفسها، فبدأت تأتي قوات الحرس الثوري، وأعلنت إيران بشكل واضح لا لبس فيه دخولها أصالة بالحرب السورية.
على الطرف الآخر، تغيّرت القوى الداعمة للمعارضة السورية كثيراً، وحتى يمكن القول إن ثلاث دول حافظت على موقف ثابت نسبياً، هي تركيا والسعودية وقطر. وإذا كان الخلاف السعودي التركي في زمن الملك الراحل عبد الله قد أثر على الخط البياني لهذا الدعم، فإن دور حكومة العدالة والتنمية إن لم يكن الأكثر ثباتاً، فهو الأكثر فاعلية بسبب امتداد حدود تركيا مع سورية على مسافة أكثر من ثمانمائة كيلومتر.
لقد دخل التيار المحافظ (الإسلامي والقومي) الذي يمثله حزب العدالة والتنمية هذه الحرب مرغماً، إذ من الممكن أن يكون نجاح إيران في سورية خطراً بنيوياً على الجمهورية التركية، من خلال الحصار أولاً، وإشعال حرب أهلية في تركيا لا تبقي شيئاً منها ثانياً. فتطويق تركيا جنوباً، وقطع طرق التجارة البرية مع دول الخليج العربي يمكن أن يخنق تركيا اقتصادياً، أو على الأقل يؤثر عليها بقوة (وهي مقطوعة حالياً). ومن جهة أخرى، فإن القوميين في إيران يعتبرون الجزء المهم من أكراد تركيا العلويين جزءاً لا يتجزأ من بينتهم العقائدية، وبذلت إيران جهوداً كبرى في عمليات تشييع لهذه الفئة من الأكراد، وإذا كانت لم تنجح كثيراً بعمليات التشييع، فقد تمكنت من ربط المكون العلوي عموماً، والكردي منه خصوصاً بها، وهذا يجعلها لا تفصل منطقة شرق الأناضول وجنوب شرقه عن إمبراطورية الإمام الفقيه.
قد يبدو هذا الأمر حكائياً، ولكن عندما نرى أن أكثر الشعارات تداولاً فيما سمي “احتجاجات تقسيم” اعتباراً من 27 أيار/ مايو 2013 في تركيا هو شعار: “لا لتسمية جسر البوسفور الثالث باسم قاتل العلويين” رداً على اتخاذ الحكومة التركية قراراً بتسمية الجسر باسم “جسر السلطان سليم” قائد معركة جالدرين [تشالدران] التي هُزمت فيها الدولة الصفوية التي كانت قد تشيعت حديثاً، وأن كل اللوحات المرفوعة في الاحتجاجات موقعة باسم “اتحاد الجمعيات العلوية” ندرك بأن ما يحرص الدبلوماسيون الأتراك والإيرانيين على تسميته تنافساً بين الدولتين، هو في الحقيقة أبعد من التنافس، ويصل إلى مرحلة الصراع الحاد والمؤلم.
واكتفت تركيا بخوض هذا الصراع على الأرض السورية عن طريق الوكلاء، ولم تعد تخفي تدريبها لبعض الوحدات التركمانية، وتسليحها، وتقديم الدعم لها، إضافة إلى دعم الجبهة الشامية التي تعتبر واحدة من أكبر الفصائل المقاتلة في سورية، وهي تفاوض الولايات المتحدة منذ فترة على تأسيس مناطق آمنة في الشمال السوري، ولعلها يمكن أن تؤسسها بمجرد مباركة أمريكية، على طريقة مباركة الدخول الإيراني الحرب السورية.
لم يقف الأمر عند هذه الحدود، فقد اندلعت الحرب فجأة بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية، وإثر الخلاف بين قيادات العمال الكردستاني وقيادة كردستان العراق، تشير التقارير الأمنية التركية إلى انتقال قيادة العمال الكردستاني إلى إيران. وهكذا أصبحت إيران الداعم الرئيس لحزب العمال الكردستاني.
لقد حاولت إيران مراراً تعطيل مرحلة السلام التي دخلتها الحكومة التركية مع حزب العمال الكردستاني، وكان أهم هذه المداخلات التواصل الذي جرى بين المخابرات الإيرانية والحرس الثوري الإيراني مع قيادات حزب العمال الكردستاني في جبل قنديل، وبدأت تتسرب أخباره في شهر نيسان/ أبريل 2013، واعترف به مراد قرة يلان أمام مجموعة من الصحفيين الأتراك منهم أصلي آيدن طاشباش التي كتبت عنه في جريدة ملييت بتاريخ 29/ 4/ 2013، وأكدته حكومة كردستان العراق، وقد عرضت إيران على حزب العمال الكردستاني يومئذ استمرار العمليات العسكرية مقابل دعم يتضمن سلاحاً نوعياً. وإذا لم تعترف إيران بهذا الأمر، فيمكن لمتابع وسائل الإعلام الإيرانية أن يلمس معارضة الموقف الرسمي الإيراني للحل السياسي للقضية الكردية في تركيا حتى وإن لم يعلن.
بعد أربع سنوات ونصف من الصراع الدامي في سورية، والذي كانت إيران تخوضه بالأصالة عن نفسها باعتبار سورية محافظة إيرانية، وتخوضه تركيا عبر وكلاء لها في الدفاع عن كيانها ووجودها، يبدو أن إيران قد نجحت أخيراً بجر تركيا إلى الحرب أصالة، والقصف اليومي لبعض مواقع داعش من الحدود التركية، وضرب القوات المسلحة التركية قواعد حزب العمال في شمال العراق، وشن حزب العمال عمليات عسكرية ضد مواقع عسكرية وأمنية تركية هو بداية دخول تركيا أصالة في هذه الحرب.
لم يتواجه الطرفان بعد أصالة، ومن الواضح أنهما يدركان تماماً الثمن الباهظ الذي يمكن أن تدفعاه في حال المواجهة المباشرة… فالمرحلة الحالية والقادمة من التصعيد هي مرحلة قتل كل أصيلِ وكلاءَ خصمه أو منافسه
___________________________
*كاتب سوري متخصص في الشؤون التركية
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
