ماذا لو قرر الحزب الوطني مباغتة الجميع ؟

عبده مغربي* 

وبدأت الحياة تدب من جديد في الأوساط السياسية والشعبية بمصر مع اقتراب موعد إعلان فتح باب الترشح للانتخابات البرلمانية بإصدار التعديلات النهائية علي قانوني “مباشرة الحقوق السياسية” و”قانون مجلس النواب” واللذين وقعهما السيسي قبل أيام ، لتصبح بذلك  المنصة التشريعية جاهزة تماماً لإطلاق “صافرة السباق”.

المشهد الانتخابي في مصر الآن أشبه ما يكون بالدوري العام الذي مُنِعَتْ فيه الفرق القوية من المشاركة بينما بقي السباق حكراً علي  مجموعة من الفرق الضعيفة وبعض  ائتلافات “المكسحين”. و”المكسح” في معجم المعاني هو من تعطلت حواس قدميه ورجليه فأصبح مقعداً لا يقوي علي الحركة. فماذا تنتظر منه أن يفعل غير الكلام، لذلك تجده عادةً يعوض النقص في الحركة بالكثير من الكلام، ينطبق هذا بقوة علي ائتلاف أو تحالف ” في حب مصر” الذي يضم مجموعة ممن يزعمون أن لهم علاقات قوية بالنظام الحاكم ، وقد كانت حزمة التصريحات التي خرجت مؤخراً حول هذا الائتلاف كفيلة تماماً بالقضاء عليه وقتل أي طموحات حقيقية أو مرجوة منه، خاصة بعدما خرج السيد البدوي رئيس حزب الوفد واتهم الائتلاف صراحة بأنه مدعوم من شخصيات أمنية في الدولة.

 معظم هذه الشخصيات أصبحت خارج السلطة الآن، تماماً مثل ائتلاف “وحدة مصر” الذي تشكل  قبل يومين من “تيار الاستقلال” وبقايا أحزاب أمن الدولة في عصر مبارك، مع بعض أحزاب أخري كرتونية لا تضم إلا قياداتها.

  ضجيج حول كيانات ليس لها أي وجود حقيقي علي الأرض، ومن هذه الكيانات قائمة “في حب مصر”  التي يتولى مهمة إحداث الضجيج حولها الصحفي مصطفى بكرى، عضو اللجنة التنسيقية بالقائمة، ومن ضجيجه هذا ما قاله لموقع “اليوم السابع” مساء الثلاثاء 18 أغسطس الجاري  بأن :  اجتماع قائمة “في حب مصر” مع قيادات “تحالف الجبهة المصرية” تم تأجيله لمطلع الأسبوع المقبل بسبب سفر عدد من قيادات “الجبهة ” للخارج، مؤكداً أن هذا الاجتماع سيعقبه مؤتمر صحفي للإعلان عن انضمامها – أي “الجبهة المصرية”- إلى قائمة “في حب مصر” حال الاتفاق النهائي، وقال “بكرى” لـ”اليوم السابع”: لا مجال للمحاصصة بين الطرفين وأن الاختيار سيكون للعناصر الأفضل التي تضيف إلى القائمة، مؤكدا حدوث تغييرات بعدد من أسماء مرشحي القائمة بإضافة عناصر مهمة تدعم القائمة في منافستها الانتخابية.

كلام من هذا القبيل تجده كل يوم في وسائل الإعلام والمواقع الإخبارية حول قائمة “في حب مصر” أو “تحالف الجبهة المصرية” أو “تيار الاستقلال”  أو الإعلان عن تدشين تحالف جديد يضم بين طياته تحالفا قديما مثلما حدث  في “فعاليات” مؤتمر تدشين قائمة “وحدة مصر”  يوم الاثنين الموافق 17 أغسطس الجاري بحضور أحمد الفضالي رئيس “تيار الاستقلال” وسمير زاهر رئيس الاتحاد المصري لكرة القدم الأسبق، ورجب حميدة البرلماني السابق، وعدد من رؤساء الأحزاب، عندما قال “الفضالي” : ” تم الاتفاق على تدشين القائمة باشتراك 37 حزبًا ” ومنهم حزب مصر الثورة، وحزب مصر الحرة، وحزب الثورة، إلي غير ذلك من الأحزاب التي تتشابه في مسمياتها وفي انعدام تأثيرها .

ويزداد ضجيج “أحزاب المكسحين” كلما اقترب موعد الانتخابات ببيانات حول تحالفات وائتلافات تتفكك ثم تتحالف، ثم تنقسم، ثم تنفصل، ثم تتحالف من جديد ثم تنفصل ثم تنضم ثم تتعارك ثم تتوافق، في عملية كوميدية ويعلم الجميع أنه لا شعبية لها بين المصريين، في حين أنه علي الأرض  فعلياً لا وجود إلا لثلاث قوى حقيقية، هي قوى التيار الديني ويضم “الإخوان المسلمين والسلفيين”  وهو تيار مهما قلت عن تفككه فهو انتخابياً علي الأرض أقرب ما يكون إلي بعضه بعضا ويجيد التعامل مع الصندوق. ثم قوى الدولة العميقة التي يجسدها كقوة تصويتية علي الأرض “الحزب الوطني” المنحل المتجذر في المحليات والقواعد الشعبية. ثم ثالثاً “القوى الثورية وتيار اليسار” وهم الأشطر في الحشد للمظاهرات والاحتجاجات لكن علي المستوي التنظيمي في الانتخابات لا يجيدون لعبة الصناديق.

تعالوا نقرأ التصريحات، أقصد الضجيج  من جديد : نفي مصطفي بكري عضو اللجنة التنسيقية بقائمة “في حب مصر” (أبرز القوائم الانتخابية حتى الآن)، أن تكون القائمة بوابة لرموز نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك ( يقصد رموز الحزب الوطني ) في العودة إلى الحياة السياسية من جديد، مؤكداً أن “القائمة تضم شخصيات لها سمعتها الطيبة”، وأوضح في تصريحات لـموقع  “24”  الإخباري الإماراتي  يوم الثلاثاء 18 أغسطس الجاري: ” أن القائمة تمثل تهديداً لكثير من الكيانات الحزبية والسياسية، لاحظ معي أن “حنفية” مصطفي بكري  صبت  تصريحاتها  أو ضجيجها علي معظم المواقع الإخبارية في ثلاثاء الأسبوع الجاري حول قائمة “في حب مصر”، مرة بتحالفها مع “تحالف الجبهة المصرية”، ومرة بنفي ضم قيادات ورموز من الحزب الوطني ونظام مبارك إلي قائمة “في حب مصر”، حدث هذا علي الرغم من أن مكونات “تحالف الجبهة المصرية” الذي انضم إلي قائمة “في حب مصر” هم حزب “الحركة الوطنية” لمؤسسه أحمد شفيق رئيس آخر حكومة في نظام مبارك، وحزب “المؤتمر” لمؤسسه عمرو موسي وزير الخارجية الأشهر في نظام مبارك، وحزب “مصر بلدي” الذي رئيسه هو المستشار قدري أبو حسين  الذي كان أميناً عاما للحزب الوطني في سوهاج ثم محافظاًن لحلوان في حكومة الحزب الوطني، بالإضافة إلي عدد غير قليل من الشخصيات التي كانت تترشح باسم الحزب الوطني ومن بينهم “السيد الشريف” نقيب الأشراف الذي كان يترشح علي قوائم الوطني في سوهاج.

خسر مصطفي بكري وخسرت قائمة “في حب مصر” الكثير إن لم يكن جميع القواعد الشعبية للحزب الوطني المنتشرة في الوحدات القاعدية بالقرى والمدن والمحافظات وهي  القواعد التي شكلت في السابق  الأرضية الشعبية لأحمد شفيق في مواجهة الدكتور محمد مرسي خلال الانتخابات الرئاسية قبل الأخيرة، ومن خلالها وعبرها حصل شفيق علي أكثر من 12 مليون صوت. خسر بكري عندما نفي  صلة قائمته بالحزب الوطني، وخسر أيضاً القوي الثورية التي سعي لمرضاتها وهو ينفي أي صلة لقائمة “في حب مصر” برموز الحزب الوطني بينما  هذه القوي الثورية تعرف جيداً رموز الحزب الوطني الذين تتشكل منهم قائمة “في حب مصر”.

 الظاهر إعلامياً أن القاعدة التنظيمية للحزب الوطني انهارت و أن رموزه تفرقوا علي الأحزاب والتحالفات، بينما علي الأرض ما تزال  وحداته القاعدية متماسكة وتتواصل فيما بينها عبر أمانة التنظيم،  وبنظرة إلي المجالس السياسية للحزب الوطني التي كانت تنعقد قبل الثورة في الدواوين أو المكاتب أو الأندية أو حتي علي المقاهي تجد أنها قد عادت تنعقد من جديد، ويبدو أن هذه القواعد التي بقيت منبوذة  لمدة 4 سنوات عانت فيها من العزلة عادت تنشط من جديد بعد أن ضجرت من كثرة التصريحات التي تهاجمها في  النهار ثم تعود تخطب ودها في الليل، هؤلاء قرروا ألا يكونوا ملك يمين أحد .. فماذا لو قرروا مباغتة الجميع بدخول الانتخابات؟

الواضح أن السيسي يرفضهم بقوة في تصريحاته التي يقول فيها تكراراً ومراراً أنه لا عودة إلي الوراء، والواضح أيضاً أنهم ضجروا من العزلة، والواضح  كذلك أنهم قوة من قوتين حقيقيتين علي الأرض، هم من جهة والتيار الديني من جهة أخري، والواضح تماماً أن حزب النور المنبوذ من كيانات الضجيج الانتخابي جميعها هو الوحيد المسموح له بالعمل في النور، أما الإخوان فلا، وأما الحزب الوطني ككيان يحمل نفس الاسم فلا .. أيضاَ، والغريب في الأمر أن قواعد الحزب الوطني تماماً مثلما قواعد الإخوان المسلمين ترفض الانخراط تحت ألوية أي من الكيانات التي تهاجمها في النهار وتخطب ودها في الليل، الصف الثاني والثالث في جماعة الإخوان بات معروفاً لأجهزة الأمن، وبالتالي فإن فرصة المباغتة في دخولهم الانتخابات تكاد تكون مستحيلة، ومع اقتراب موعد الانتخابات وشتات وتخبط وتشرذم التحالفات الانتخابية الحاضرة إعلامياً والغائبة علي الأرض، يكون حزب النور هو الأقوى والأكثر تنظيماً واستعداداً من الجميع، وقد يكون منطقياً أن يهابه الجميع، ومنطقياً أيضاً أنه  إن حصد الأكثرية فإنه سيعطي صورة للمجتمع الدولي بأن التيار الديني يحظى بالشعبية الأكبر بين المصريين، وهو ما سيضرب بالتبعية جزءاً من شرعية 30 يونيو التي خرجت ضد جماعة الإخوان المسلمين خصوصاَ والتيار الإسلامي بوجه عام ثم جاءت بالسيسي رئيساً لمصر،  أمام ذلك كله هل من الممكن أن نجد الضرورة  تبيح المحظورات بإفساح المجال أمام تحالف جديد للحزب الوطني لا يحمل نفس الاسم لكي يعدل كفة الميزان؟  أم أن الموقف من الحزب الوطني ككيان بذاته سيظل علي ما هو عليه من الرفض، وإن ظل .. فماذا لو قرر الحزب الوطني فجأة مباغتة الجميع؟

________________________

*كاتب وصحفي مصري 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان