دراسة حول قانون الإرهاب في مصر

قانون قيل عنه إنه يكافح الإرهاب، وهو يدرك أن الإرهاب لا يكافح بالنصوص فقط، مع إدراك أن التضحية بدولة القانون بزعم مكافحة الإرهاب هو انتصار للإرهاب.. يتبع.
أحمد قناوي*
![]() |
لم يكن هناك قانون للإرهاب ولا للكيانات الإرهابية حين ارتكبت مذبحة رابعة، ولم يكن هناك قانون للإرهاب حين ضمت السجون عشرات الآلاف بمجرد ورقة وحيدة في ملف الدعوى وهي تحريات الأمن الوطني، ولم يكن هناك قانون للإرهاب حين تم تصفية عدد من الأشخاص خارج القانون، لتخرج العديد من الصحف في اليوم التالي تصف ما حدث بأنه تصفية على اعتبار أن ذلك أسلوب جديد.
قانون مكافحة الإرهاب الجديد الذي صدر تحت رقم 94 لسنة 2015 من دون مجلس نيابي ومن دون استشارة أحد، صدر وكأنه لا دستور أعلى يحكم المنظومة القانونية في مصر، وظني أنه كان واضحًا لدى من أصدره أن الإرهابي الذي قرر أن يفجر نفسه، لن يثنيه صدور قانون، ويعرف أن العمل الإرهابي قبل صدور القانون يعرض من أقدم عليه لأشد عقوبة وهي الإعدام وبالتالي وضع القانون بالنسبة للإرهابي والإرهاب لن يضيف جديدًا فلمن وضع هذا القانون ؟
قانون ضد الأحزاب والجمعيات
في تقديري أن القانون وضع لغير الإرهابيين، ولمن لا يحمل السلاح، فقد وضع فقط لأصحاب المطالبات السلمية، وضع فقط لتعلية سقف الرقيب الذاتي قناعةً أو خوفًا، ووضع فقط لتقع تحت طائلة هذا القانون الجمعيات والمؤسسات وحتى الأحزاب السياسية وغيرها وكان ذلك واضحًا حين عبر القانون بلفظ بصرف النظر عن الشكل القانوني الذي تتخذه وذلك في المادة الأولى منه حين عرف الجماعة الإرهابية وقال نصًا “الجماعة الإرهابية: كل جماعة أو جمعية أو هيئة أو منظمة أو عصابة مؤلفة من ثلاثة أشخاص على الأقل أو غيرها أو كيان تثبت له هذه الصفة، أيًا كان شكلها القانوني أو الواقعي سواء كانت داخل البلاد أو خارجها، وأيًا كان جنسيتها أو جنسية من ينتسب إليها، تهدف إلى ارتكاب واحدة أو أكثر من جرائم الإرهاب أو كان الإرهاب من الوسائل التي تستخدمها لتحقيق أو تنفيذ أغراضها الإجرامية”.
ولم يشأ من وضع القانون أن يلقي نظرة على مواد دستور قال عنه حين الاستفتاء عليه إنه “أعظم دستور عرفته مصر بل من أعظم دساتير العالم” ولم يقرأ مواد هذا الدستور ولم يعبأ بباب الحقوق والحريات بل خرج على قواعد قانونية مستقرة خروجًا شاذًا ونضرب بعض الأمثلة لذلك لا أكثر:
* حرص القانون على استخدام عبارات فضفاضة وواسعة ومرنة مثل (الوحدة الوطنية) و(السلام الاجتماعي) وهى تعبيرات سبق استخدامها في قوانين سيئة السمعة كما أطلق عليها وقتها وتم إلغاؤها.
* الكيانات المعتبرة إرهابية (استخدام عبارة الدعوة بأي وسيلة من دون أن تكون مقترنة باستخدام القوة أو العنف أو القتل أو إثارة الفزع والرعب).
بالمخالفة للمحكمة الدستورية
* لم يأبه القانون بالحكم الذي أصدرته المحكمة الدستورية العليا بشأن الاتفاق الجنائي باعتباره يتناقض مع الحرية الشخصية، والحرية الشخصية وأصل البراءة في الإنسان وذلك بموجب الحكم الذي أصدرته القضية رقم 114 لسنة 21 قضائية “دستورية ” وقالت في حكمها “وكان مجرد العزم على ارتكاب الجريمة أو الأعمال التحضيرية لذلك لا يعتبر شروعًا، بحيث يتعدى الشروع مرحلة مجرد الاتفاق على ارتكاب الجريمة إلى البدء فعلاً في تنفيذها، وكان الشروع غير معاقب عليه في الجنح إلا بنص خاص. أما في الجنايات فإن عقوبة الشروع تقل درجة عن العقوبة المقررة لارتكاب الجناية، أو بما لا يزيد على نصف الحد الأقصى للعقوبة المقررة للجريمة التامة “، لكن القانون أعاد تجريم الاتفاق الجنائي المجرد في المادة 6 فقرة 2 حين جاء نصها “كما يُعاقب بذات العقوبة المقررة للجريمة التامة كل من اتفق أو ساعد – بأية صورة – على ارتكاب الجرائم المشار إليها بالفقرة الأولى من هذه المادة، ولو لم تقع الجريمة بناءً على ذلك الاتفاق أو تلك المساعدة
* حظر القانون على الصحفيين وغيرهم نشر أية بيانات لا يكون مصدرها وزارة الدفاع ووضع عقوبة مالية كبيرة بعد احتجاج الصحفيين على عقوبة الحبس وأفرغت العقوبات المالية الضخمة التراجع عن الحبس من مضمونه جاء هذا الحظر في المادة 35 والتي تنص “يُعاقب بغرامة لا تقل عن مائتي ألف جنيه ولا تجاوز خمسمئة ألف جنيه كل من تعمد، بأية وسيلة كانت، نشر أو إذاعة أو عرض أو ترويج أخبار أو بيانات غير حقيقية عن أعمال إرهابية وقعت داخل البلاد، أو عن العمليات المرتبطة بمكافحتها بما يخالف البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الدفاع، وذلك كله دون إخلال بالعقوبات التأديبية المقررة ” والنص واضح المخالفة لنص المادة 71 من الدستور التي يقول نصها “يحظر بأي وجه فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها. ويجوز استثناء فرض رقابة محددة عليها في زَمن الحرب أو التعبئة العامة.
ولا توقع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بطريق النشر أو العلانية، أما الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو بالتمييز بين المواطنين أو بالطعن في أعراض الأفراد، فيحدد عقوباتها القانون”.
تجريم الأعمال التحضيرية
* خالف القانون مبدأ المشروعية حين جرَّم مجرد الأعمال التحضيرية التي لا ترتبط بأفعال وذلك في المادة 34 حيث نصت “يُعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة كل من قام بأي عمل من أعمال الإعداد أو التحضير لارتكاب جريمة إرهابية حتى ولو لم يتعدَّ عمله هذا الإعداد أو التحضير.. “بما يخالف نص المادة 95 من الدستور.
* رخص القانون لمأمور الضبط القضائي سلطة القبض والتفتيش والاحتجاز لأي مواطن بدون حالة تلبس وللاشتباه فقط وذلك في المادة 40 من القانون التي نصت “لمأمور الضبط القضائي، لدى قيام خطر من أخطار جريمة الإرهاب ولضرورة تقتضيها مواجهة هذا الخطر، الحق في جمع الاستدلالات عنها والبحث عن مرتكبيها والتحفظ عليهم لمدة لا تجاوز أربع وعشرين ساعة… “.
* تحويل الحبس الاحتياطي إلى اعتقال وتحفظ وذلك باستخدام عبارة “مدد” في المادة 43 حيث نصت تكون للنيابة العامة أو سلطة التحقيق المختصة، بحسب الأحوال، أثناء التحقيق في جريمة إرهابية، بالإضافة إلى الاختصاصات المقررة لها قانونًا، السلطات المقررة لقاضي التحقيق، وتلك المقررة لمحكمة الجنح المستأنفة منعقدة في غرفة المشورة، وذلك وفقًا لذات الاختصاصات والقيود والمدد المنصوص عليها بالمادة (143) من قانون الإجراءات الجنائية”.
* تقييد حق الدفاع بل ومنعه حين استخدم عبارة “وذلك دون الإخلال بمصلحة الاستدلال” وذلك في المادة 41 “يبلغ مأمور الضبط القضائي كل من يتحفظ عليه وفقًا للمادة (40) من هذا القانون بأسباب ذلك، ويكون له حق الاتصال بمن يرى إبلاغه من ذويه بما وقع والاستعانة بمحامٍ، وذلك دون الإخلال بمصلحة الاستدلال”. وهو ما يخالف نص المادة 54 فقرة 2، 3 من الدستور التي نصت بوضوح على “.. ويجب أن يُبلغ فورًا كل من تقيد حريته بأسباب ذلك، ويحاط بحقوقه كتابة، ويُمكّن من الاتصال بذويه وبمحاميه فورًا، وأن يقدم إلى سلطة التحقيق خلال أربع وعشرين ساعة من وقت تقييد حريته. ولا يبدأ التحقيق معه إلا في حضور محاميه، فإن لم يكن له محامٍ، نُدب له محامٍ، مع توفير المساعدة اللازمة لذوي الإعاقة، وفقًا للإجراءات المقررة في القانون. ولكل من تقيد حريته، ولغيره، حق التظلم أمام القضاء من ذلك الإجراء، والفصل فيه خلال أسبوع من ذلك الإجراء، وإلا وجب الإفراج عنه فورًا “.
عقوبات غريبة
إضافةً إلى تقرير عقوبات لم يعرفها القانون وتخالف مواد صريحة في الدستور وهي عقوبات النفي والمنع من التنقل حيث جاء نص المادة 37 من القانون على النحو التالي ” …. للمحكمة في أية جريمة إرهابية، فضلاً عن الحكم بالعقوبة المقررة أن تقضي، بتدبير أو أكثر، من التدابير الآتية:
– إبعاد الأجنبي عن البلاد.
– حظر الإقامة في مكانٍ مُعين أو في منطقةٍ مُحددة.
– الإلزام بالإقامة في مكان مُعين.
– حظر الاقتراب أو التردد على أماكن أو محال معينة.
– الإلزام بالوجود في أماكن معينة في أوقاتٍ مُعينة.
– حظر العمل في أماكن معينة أو مجال أنشطةٍ مُحددة.
– حظر استخدام وسائل اتصال مُعينة أو المنع من حيازتها أو إحرازها ….. “.
* فرَّق القانون بين رجل الجيش والشرطة والمواطن العادي إذا كان أي منهم ضحية لجريمة إرهابية في المادة 54 من القانون حيث نصت على ” تلتزم الدولة بإبرام وثيقة تأمين إجباري شامل مع شركات التأمين، لتغطية جميع الأخطار الناجمة عن الجرائم الإرهابية التي تصيب أي فرد من أفراد القوات المسلحة أو قوات الشرطة المكلفة بمكافحة الإرهاب، حال تصديها لتلك الجرائم، بما في ذلك حالات الوفاة أو العجز الكامل أو الجزئي، على أن تتضمن الوثيقة التزام الشركة بسداد تعويضات مؤقتة للمضرورين فور وقوع الخطر خصمًا من مبلغ التأمين “. ومن ثم لا التأمين الإجباري واجب ولا مفروض ولا يوجد تعويض إذا كان ضحية العمل الإرهابي شخص مدني.
هذه إطلالة سريعة على نصوص قانون قيل عنه إنه يكافح الإرهاب، وهو يدرك أن الإرهاب لا يكافح بالنصوص فقط، مع إدراك أن التضحية بدولة القانون بزعم مكافحة الإرهاب هو انتصار للإرهاب وليس انتصارًا عليه.
________________________
*كاتب مصري ومحام بالنقض
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
