غرداية: خلفيات النزاع وأهداف التأجيج!

نزاع أمازيغ ميزاب وعرب الشعانبة قديم ولم يأخذ في أي وقت من الأوقات طبيعة النزاع الطائفي بين إباضيين وسنة، لكن هذا لم يمنع توظيف العامل الطائفي.. يتبع.

نصرالدين قاسم*
“غرداية” الولاية الهادئة المعروفة بخصوصياتها الاجتماعية والاقتصادية وتعايش أبنائها على اختلاف مشاربهم وأعراقهم وعاداتهم وتقاليدهم، انفجرت بغتة انفجارا دمويا مدويا خلف عشرات القتلى وما انفك الجرح يزداد غورا وتعفنا منذ أكثر من عامين.
ظاهر النزاع صراع دموي بين شباب ميزاب الأمازيغ وشباب شعانبة العرب. النزاع له جذور تاريخية واجتماعية واقتصادية ككل النزاعات التي تنشب بين مختلف القبائل في الجزائر وتتخذ أساليب وأنواع مختلفة تصل في الكثير من الأحيان إلى الاقتتال بمختلف الأسلحة، لكن سرعان ما تنطفئ شعلتها بتدخل العقلاء أو تدخل السلطات من دون أن تأخذ كل هذا البعد ويكون لها كل هذا الصيت الإعلامي وهذا التأجيج الكبير.
أسباب النزاع بين قبيلتي الميزاب والشعانبة على غرار الأسباب التي تؤجج مختلف النزاعات بين القبائل في الجزائر عادة ما تتعلق بالرعي، أو نظام السقي، أو ملكية الأراضي أو النشاط التجاري وما إلى ذلك. ونزاع أمازيغ ميزاب وعرب الشعانبة قديم ولم يأخذ في أي وقت من الأوقات طبيعة النزاع الطائفي بين إباضيين وسنة، لكن هذا لم يمنع مختلف الجهات من توظيف العامل الطائفي لحشد الناس وتجنيدهم وتوريطهم في الفتنة، كما أن النزاع لم يعرف من ذي قبل هذه الحدة والدموية فسرعان ما كان يتدخل الأعيان والعقلاء لوأد الفتنة وتهدئة النفوس، لكن تطورات كثيرة منها الاجتماعي والاقتصادي وحتى التكنولوجي وفرت له أسباب التأجيج وإذكاء نار الفتنة. وكان لها تأثيرها على العقلاء أنفسهم، فبالموازاة  مع دعوتهم إلى السلم ونبذ العنف لم يتوان هؤلاء عن السعي ولو سرا عن التحريض لكسب المزيد من الدعم وإلحاق الهزيمة بالآخر.
النزاع الآن أخذ أبعادا أخرى أكثر عدائية تتعلق برغبة كل طرف في إلغاء الآخر أو إبعاده، وإثبات أحقيته في الاستحواذ على المكان بعيدا عن الآخر. فالمجتمع الميزابي المعروف بتنظيمه الاجتماعي الخاص المنغلق وعلاقات أفراده وتكافلهم وولائهم لسلطتهم المحلية أو ما يسمى العزابة التي تعنى بالشؤون الاجتماعية والإدارية أو مجلس عمي السعيد الكورتي التمثيلي للقصور، والاحتكام إليها في حل نزاعاتهم وعقد صفقاتهم، وتسيير شؤونهم الاجتماعية والأسرية، أضحى أكثر انغلاقا ورفضا لوجود المجتمع الآخر مجتمع الشعانبة المختلف في تركيبته الاجتماعية الهشة، والاقتصادية الصعبة ومعاناته. ولشعوره أيضا بالخطر بعد تدخل السلطة للحد من سلطات تنظيمات العشائرية المعروفة في الجزائر حتى في مناطق أخرى مثل منطقة القبائل وغيرها.. هذه الخصوصيات تحولت من عامل تعايش ووحدة بين الطرفين إلى  سبب من أسباب تفجير النزاع وتأجيج الأحقاد.
غير أن التفسير السوسيولوجي والاقتصادي للنزاع لا يكفي لتبرير ضراوته ودمويته غير المسبوقتين ما لم يؤخذ بعين الاعتبار دوافع أخرى وعوامل محددة يتعلق بعضها بالتطور التكنولوجي والبعض الآخر بدور السلطة في النزاع.. تطور وسائل الاتصال أو ما يعرف بشبكات التواصل الاجتماعي كان لها الدور الكبير في إعطاء النزاع أبعادا وتطورات لم تكن تخطر على عقل بشر. سرعة انتقال المعلومة والتي كانت مغلوطة ومضللة ومحرضة في معظم الأحيان عمقت العداوة وبررت القتل والاعتداءات وانتهاك الحرمات وإتلاف الممتلكات، وصعدت الاحتراب إلى درجة عجزت فيها السلطة أو فشلت أو ارتبكت في وقف المأساة أو الحيلولة دون توسعها في الزمان والمكان أو الحد من حجم الخسائر في الأرواح والممتلكات.
السلطة، وعلى مر مراحل النزاع وفصوله وقفت عاجزة مرتبكة حيال الأزمة، أو بدت كذلك.. فرغم أن النزاع كان محصورا في رقعة جغرافية صغيرة جدا وبين اعداد محدودة من المتخاصمين، إلا أنها – أي السلطة – لم تفلح في السيطرة على الوضع طيلة اكثر من عامين وماانفك النزاع يتطور ويتمدد ويتجدد، حتى بدت السلطة نظرا لعجزها وكأنها غير جادة في سعيها لإطفاء نار الفتنة في غرداية، ما جلب لها الكثير من الانتقاد واللوم والتهم أيضا حتى المجنونة منها.
فشل السلطة جسده ارتباكها وتوجسها في التدخل للفصل بين المتنازعين وزجر المغامرين والمقامرين، ففي البداية أوكلت الأمر الى السلطات المدنية المحلية الوالي وقوات الأمن، ثم سرعان ما تخلت عن هذا الخيار لتكلف الدرك الوطني بتسيير الأزمة واسترجاع الأمن ثم سرعان ما انتقلت إلى تدخل الجيش مباشرة وإيفاد قائد الناحية العسكرية الرابعة شخصيا إلى عين المكان للإشراف على عملية التدخل للفصل بين المتنازعين وتوقيف رؤوس الفتنة ومؤججي النزاع والمشاغبين والمرتكبين لجرائم الاعتداء على الأرواح والممتلكات وإحالتهم للقضاء. غير أن نجاح السلطات في السيطرة على الوضع بعد خراب المدن وسقوط المزيد من الضحايا، جلب لها الإدانة والاتهامات أكثر مما جلب لها الثناء والتقدير.. فتجدد السؤال: لماذا حتى الآن..؟
حديث بعض وسائل الاعلام عن اليد الخارجية وحديث المؤامرة الذي غذته هذه التحاليل كرسته اتهامات بعض السياسيين لدول ومنظمات بتأجيج نار الفتنة في غرداية، ولعل تصريحات رئيس ديوان رئاسة الجمهورية الأمين العام بالنيابة لحزب التجمع الوطني الديمقراطي الوزير الأول السابق أحمد أويحي التي  اتهم فيها الأمم المتحدة مباشرة بالضلوع في أزمة غرداية وإشارته لمسألة الأقليات التي تتخذها المنظمة ذريعة للعبث باستقرار الدول، فتحت الباب واسعا لتأويلات وتفسيرات كانت من الخطورة بمكان.
“أويح”ي وكما يقول المثل الشعبي “جا يكحلها عماها”، فكلامه المباشر عن مسألة الأقليات بما يوحي بأن منظمة الأمم المتحدة تعتبر الإباضيين أقلية تجب مساعدتهم، والجزائر ترفض ذلك رفضا قاطعا أغرق السلطة ودفع الكثيرين إلى القول إنها لم تكن جادة في التدخل بقوة لوقف النزاع ولا مصممة على حل الأزمة حلا نهائيا، خاصة وأن أويحي لم يفسر للناس ما علاقة هذه بتلك، أي ما علاقة ما يحظى به الميزابيون لدى الأمم المتحدة بالنزاع بينهم وبين عرب الشعانبة، والاقتتال الحاصل بينهما.
السلطة في آخر المطاف ظلت في قفص الاتهام من طرف الجميع، كل طرف من أطراف النزاع يتهمها بالتواطئ مع الطرف الآخر، والسياسيون يتهمونها بالتقاعص عن حل الأزمة، وترك الأمور تتعفن أكثر فأكثر، في حين كان بمقدورها وأد الفتنة في مهدها وردع كل محاولة للتأجيج كما يردد الكثير من المحللين والسياسيين.. أزمة غرداية خمدت الآن لكن لا شيء يؤكد بأنها لن توقظ من جديد خاصة وأن كل أسباب اندلاعها أول مرة وتأجيجها وتصعيدها لا تزال متوفرة تهدد بالنبعاث من رمادها في أية لحظة، لأن العلاج المتبع لحد الآن لم يذهب بعد إلى تسوية أسباب ودوافع النزاع سواء التاريخي منه أو الاجتماعي وحتى الاقتصادي.
____________________

*كاتب وصحفي جزائري

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان