في مصر: الإرهاب ظاهرة أم قانون؟

ثار الجدل حول سؤال كبير هل “الإرهاب” في مصر هو فعلا ً “ظاهرة” أم “رد فعل” على “قانون”؟ هذا السؤال يثير ثلاث إشكاليات مفاهيمية.. يتبع.
د. عصام عبد الشافي*
![]() |
بعد التفجيرات المتزامنة التي شهدتها مناطق مختلفة في العاصمة المصرية القاهرة، خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة، والتي جاءت بعد التصديق على ما يسمي “قانون الإرهاب” ونشره في الجريدة الرسمية بتاريخ 15 من أغسطس/آب 2015، ثار الجدل حول سؤال كبير هل “الإرهاب في مصر”، هو فعلا ً “ظاهرة” أم “رد فعل” على “قانون”؟ هذا السؤال يثير ثلاث إشكاليات مفاهيمية، الأولي “مفهوم الإرهاب”، الثانية “مفهوم الظاهرة”، الثالثة مفهوم “القانون”:
أولاً: مفهوم الإرهاب
من الناحية اللغوية تجد كلمة “الإرهاب” في اللغة العربية من الفعل (رَهب، يُرهب، رَهبةً) أي خاف، ورهبه أي خافه. والرهبة هي الخوف والفرع وهو راهب من الله أي خائف من عقابه، وترهبه أي توعده. أما في القرآن الكريم فينصرف معنى الإرهاب الى ما ورد في الآيات القرآنية التي تأتي بمعنى الفزع والخوف، والخشية، والرهبة من عقاب الله تعالى، فقد ورد في قوله تعالى (وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون). وقوله: (إنما هو اله واحد فإياي فارهبون). وقوله: (إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً). كما يأتي الإرهاب في القرآن الكريم بمعنى الردع العسكري، ومن ذلك قوله تعالي: (ترهبون به عدوا الله وعدوكم وآخرين من دونهم). وقوله تعالي: (واسترهبوهم وجاءوا بسحرٍ عظيم).
ومن الناحية الاصطلاحية فلا يوجد تعريف جامع مانع للمفهوم، بسبب تعدد واختلاف آراء المهتمين بدراسة هذه الظاهرة من جانب والغموض وعدم التحديد الدقيق لها على المستوى السياسي والقانوني من جانب آخر، ومن بين هذه التعريفات: إن الإرهاب هو: “العمل الإجرامي المصحوب بالرعب أو العنف أو الفزع بقصد خدمة هدف محدد”. هو: “عبارة عن أعمال من طبيعتها أن تثير لدى شخص ما الإحساس بالتهديد مما ينتج عنه الإحساس بالخوف بأي صورة”. هو: “كل اعتداء على الأرواح والأموال والممتلكات العامة أو الخاصة بالمخالفة لأحكام القانون الدولي بمصادره المختلفة”. هو: “الاستخدام المنظم للعنف، لتحقيق هدف سياسي وبصفة خاصة جميع أعمال العنف التي تقدم منظمة سياسية بممارستها على المواطنين وخلق جو من عدم الأمن”.
وفي إطار المنظمات الدولية، فقد انتهت عصبة الأمم (بعد نقاش دام سبع سنوات من عقد اتفاقية منع الإرهاب والمعاقبة عليه في العام 1937) إلى النص على أن الإرهاب هو “جميع الأعمال الموجهة ضد دولة ما وتهدف أو يقصد بها خلق حالة رعب في أذهان أشخاص معينين أو مجموعة من الأشخاص أو عامة الجمهور”. وفي إطار الأمم المتحدة تم النص على أن الإرهاب يمثل (جميع الممارسات والوسائل غير المبررة التي تشير إلى رعب الجمهور أو مجموعة من البشر لأسباب سياسية وبصرف النظر عن بواعثه المختلفة).
إلا أنه، وعلى الرغم من كل هذه الجهود وتلك التعريفات لم يتوصل الجميع إلى تحديد مفهوم جامع مانع للإرهاب، بسبب اقتصار هذه المفاهيم على بعض الجوانب دون غيرها، حيث ركز بعضها على الجانب المادي (الأفعال)، دون المعنوي، والعكس، وركز بعضها على الجانب القانوني دون السياسي، والعكس.
إن الإرهاب كمفهوم يقوم على مجموعة من الأركان ويتسم بعدد من السمات التي توضح ماهيته، فالعمل الإرهابي هو عمل من أعمال العنف، أما التهديد بالعنف فيدخل في باب الردع لا الإرهاب، ويتم العمل الإرهابي بقدر من التنظيم وبذلك يتم استبعاد أعمال العنف العفوية كلها من عداد أصناف الإرهاب، وينطوي العمل الإرهابي على مضامين وأهداف سياسية وبذلك يمكن استبعاد أعمال الإرهاب ذات المقاصد الذاتية والتي تدخل في عداد الجرائم العادية، كما يتسم العمل الإرهابي بالطابع الرمزي أي أنه يحمل رسالة إلى فئة أو جماعة أو مجتمع أو دولة متجاوزاً بذلك الهدف المباشر بهدف خلق تأثير نفسي معين لدى من يستهدفه.
وفي إطار هذه التعريفات يمكن القول أن ما تشهده مصر، باستثناء ما يحدث في شبه جزيرة سيناء، إذا كانت المعلومات التي تتناوله تتسم بالمصداقية، ليس إرهاباً لأنه في معظمه أقرب إلى أعمال العنف الفردية، حتى لو قامت بها جماعات، لأن هذه الأخيرة تندرج حتى باب الردع وليس الإرهاب.
ثانياً: مفهوم الظاهرة:
يتحدث الكثيرون في مصر بعد 3 من يوليو/تموز عن أن “الإرهاب” أصبح “ظاهرة” دون إدراك حقيقي لمفهوم الظاهرة في العلوم الاجتماعية، بما يفقد هذه التحليلات الكثير من مصداقيتها وموضوعيتها، فالظاهرة الاجتماعية هي فعل اجتماعي يمارسه جموع من البشر، أو يتعرضون له أو يعانون منه أو من نتائجه. ومن خصائص الظواهر الاجتماعية: أنها ظواهر عامة وليست ظواهر فردية نفسية من قبيل الإدراك والتفكير أو الإرادة، وهي ظواهر اجتماعية ليست من صنع الأفراد وإنما هي نتيجة للحياة الاجتماعية ومقتضيات العمران البشري، وفي إطارها تنتظم حياة الأفراد فيتخذونها أساسا لتنظيم حياتهم العامة وعلاقاتهم ببعضهم البعض، ويتم التعامل معها ككائن حي ينمو ويزدهر بفعل مجموعة من العوامل الحاضنة والمحيطة به. كما تمثل الظاهرة الاجتماعية تيارات اجتماعية قائمة حتى وإن لم يكن هناك تنظيم اجتماعي محدد بوضوح، وتسـتمد الظواهر الاجتماعية أصولها من المظاهر الجمعية للمعتقدات والممارسات الجماعية.
ثالثاً: مفهوم القانون
القَانُون كلمة يونانية الأصل، انتقلت من اليونانية إلى الفارسية باللفظ نفسه، بمعنى أصل كل شيء ومقياسه، ثم عُرّبت عن الفارسية بمعنى الأصل، ودرج استخدامها بمعنى أصل الشيء الذي يسير عليه، أو المنهج الذي يسير بحسبه، فالقانون هو مجموعة القواعد التي تنظم سلوك الفرد في المجتمع والتي تلزمه الدولة بمراعاتها، والتي توضع سلفاً لتنظيم سلوك الأفراد في مجتمع معين وفي مكان معين وفي زمان معين.
موضوعةً سلفاً حتى يتمكنَ الأفرادُ من معرفتها وأن ينظموا سلوكهم على أساسها، شريطة أن تتسم بعدة خصائص أساسية، أن تكون: قاعدة عامة مجردة، قاعدة اجتماعية، تستهدف تنظيم الروابط أو العلاقات الاجتماعية بين الأفراد، إنها قاعدة ملزمة، حيث تقترن بجزاء قانوني يفرض احترامها. فالقواعد القانونية تتميز عن غيرها من قواعد السلوك الاجتماعي الأخرى بأنها تقترن بجزاء يكفل احترامها ويوجب طاعتها، ولذا فقد وجِدَ تلازمٌ حتميّ منذ ظهور الفكر القانوني بين القانون وفكرة القهر أو الإكراه، فالقاعدة القانونية ليست نصيحة أو رجاء ولكنها تكليفٌ يعزِّزه الجزاء.
رابعاً: الإرهاب بين الظاهرة والقانون:
في إطار هذه التعريفات وتلك التحليلات أين يقف ما تنادى به السلطات الحاكمة في مصر من وجود “ظاهرة إرهاب” ووضعها ما أسمته “قانون الإرهاب”؟
هنا يجب التأكيد ابتداءً على أنه لا توجد دولة في العالم مهما كانت قدراتها وإمكاناتها، ومستوي التقدم التقني والتكنولوجي والمعلوماتي والأمني فيها ليست عرضة للإرهاب، وإن شئنا الدقة لا توجد دولة في العالم ليست عرضة لأعمال العنف، وهذا إفراز طبيعي لممارسات الدولة وسياساتها في الداخل والخارج والتي تفرض ردود أفعال مضادة لها، ولكن الأمر لا يمكن اختزاله في عامل واحد، فما يمكن أن يطلق عليه ظاهرة إرهاب، يتعدد الأبعاد يتشابك الاعتبارات، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية والفكرية، الداخلية والخارجية. والإفراط من جانب الدول والحكومات في استخدام آلة القمع الأمني لن يؤدي إلا إلى مزيد من تغلغل وترسيخ مثل هذه الظواهر.
ومن ناحية ثانية، أن ما اعتبرته السلطات الحاكمة في مصر قانوناً للإرهاب، ليس قانوناً ابتداءً لأنه يتعارض والسمات الأساسية التي أقرها كثير من العلماء والفقهاء فيما يجب أن يتوفر في القاعدة القانونية، كما أنه ليس مانعاً لما أسماه واضعوه “الإرهاب” ولكنه يمكن أن يكون منشئاً له.
فقد جاء ما يسمي “قانون الإرهاب” في 54 مادة، وحدد 21 جريمة تحت مسمى “جرائم الإرهاب” منها: “جريمة إنشاء أو تأسيس أو إدارة جماعة إرهابية، أو تولى زعامة أو قيادة فيها، وجريمة الانضمام إلى جماعة إرهابية أو الاشتراك فيها بأية صورة مع علمه بأغراضها، وجريمة إكراه شخص على الانضمام إلى الجماعة الإرهابية، أو منعه من الانفصال عنها، وجرائم تمويل الإرهاب، وجريمة السعي أو التخابر لدى دولة أجنبية أو أية جمعية أو هيئة أو منظمة أو جماعة أو عصابة، بهدف ارتكاب أو الإعداد لارتكاب جريمة إرهابية داخل مصر، أو ضد أي من مواطنيها أو مصالحها”.
و”إعداد أو تدريب أفراد على صنع أو استعمال الأسلحة التقليدية أو غير التقليدية، أو وسائل الاتصال السلكية أو اللاسلكية أو الإلكترونية، أو أية وسيلة تقنية أخرى، أو قام بتعليم فنون حربية أو أساليب قتالية أو تقنية، أو مهارات، أو حيل، أو غيرها من الوسائل، أياً كان شكلها لاستخدامها فى ارتكاب جريمة إرهابية”.
و”الاستيلاء أو الهجوم أو الدخول بالقوة أو العنف أو التهديد أو الترويع، المقار الرئاسية أو مقار المجالس النيابية أو مجلس الوزراء أو الوزارات أو المحافظات أو القوات المسلحة أو المحاكم أو النيابات أو مديريات الأمن أو أقسام ومراكز الشرطة أو السجون أو الهيئات أو الأجهزة الأمنية أو الرقابية أو الأماكن الأثرية أو المرافق العامة أو دور العبادة أو التعليم أو المستشفيات أو أي من المباني أو المنشآت العامة بقصد ارتكاب جريمة إرهابية”.
و”الدخول عنوةً أو بالمقاومة مقر إحدى البعثات الدبلوماسية أو القنصلية أو الهيئات أو المنظمات الدولية أو الإقليمية أو المكاتب الرسمية أو السكن الخاص لأعضائها في مصر أو في الخارج، وجريمة قلـب نظام الحكم أو تغيير دُستور الدولة أو نظامها الجمهوري أو شكل الحكومة بالقوة أو العنف أو التهديد أو الترويع أو بغير ذلك من وسائل العمل الإرهابي، وجريمة إخفاء أو التعامل في أشياء استعملت أو أعدت للاستعمال في ارتكاب جريمة إرهابية، أو الأموال التي تحصلت عنها”. وغير ذلك من نصوص وممارسات.
ومع هذا الإفراط في النصوص والمبالغة في العقوبات لدرجة تصل إلى حد الاستهداف والتربص وليس المواجهة والعدل وتحقيق الأمن والاستقرار، يمكن القول أن ممارسات وإجراءات النظام، وترسانة التشريعات التي أقرها، جاءت بنتائج عكسية، وستستمر هذه النتائج، فالعمليات التي يتم وصفها بالإرهابية لم تنته أو تخفت حدتها، بل على النقيض من ذلك، زادت كثافتها وتنوعت أنماطها وتعددت أهدافها، واتسعت الرقعة الجغرافية لها لتشمل كل محافظات مصر شمالاً وجنوباً وغرباً، هذا بالطبع بخلاف سيناء في الشرق.
ولعل التفجيرات المتعددة والمتزامنة في توقيت واحد والتي شهدتها عدة مناطق في القاهرة الكبرى بعد نشر “ما يسمي “قانون الإرهاب” في الجريدة الرسمية، لخير دليل على ذلك.
______________________
*أكاديمي مصري – باحث في العلوم السياسية
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
