الجعان يحلم بالقنال

متوقع من أي نظام في أية دولة أن يهتم بتطوير أوضاع بلاده وابتكار مشروعات اقتصادية تدعم استقرارها، وهو أمر لا يدفع الإعلام إلى الترويج بهذه المبالغة.. يتبع.
*محمد منير
![]() |
قناة السويس، أو قنال السويس كما ينطقها أبناء محافظات القناة (السويس – الإسماعيلية – بور سعيد) لن أتحدث عن قناة السويس القديمة والتى تم حفرها فى 10 سنوات مابين عامى 1859 و1869 م بطول 193.2 كيلو متراً، ولكن حديثى ينصب على مشروع القناة الجديدة والذي تم الترويج له باعتباره أعظم مشروع قومي مصري في العصر الحديث ، والتفاخر بحفر الممر الجديد في عام، وإظهار هذه المدة الزمنية باعتبارها معجزة غير مسبوقة يى العالم .
أولا أسجل عدم رفضي لهذا المشروع، والذي تأخر العمل فيه سنوات كثيرة، ويحسب للحكومة الحالية البدء في هذا المشروع، والذي كانت الحكومات السابقة تفكر فيه ولم تدخله حيز التنفيذ لأسباب اختلفت من حكومة لأخرى.
المشروع الجديد عبارة عن تطوير للقناة الأصلية القديمة، ويختص بإنشاء تفريعة جديدة موازية للقناة الحالية بطول نحو 33 كيلومترا، وتعميق وتوسيع المجرى الملاحي نفسه ما يصل بالطول إلى 72 كيلومترا .
الدعاية الرئيسية للإعلام الرسمي تركز على المعجزة غير المسبوقة التى قام بها المصريون تحت قيادة الرئيس “عبد الفتاح السيسي” والتى تتمثل فى حفر 33 كيلومترا في عام!
في الفترة ما بين عامي 1859 و 1869 م حفر المصريون 193.2 كيلومترا في أرض يغلب عليها الطابع الصحرواي، وفي ظروف معيشية واجتماعية شديدة الصعوبة، وبأدوات بدائية لا تتعدى “الفأس والغلق ” والأداة الرئيسية كانت أيادي الفلاحين المصريين، الذين سقط منهم المئات موتى أثناء العمل بسبب الجهد والجوع والسخرة. ومابين عامي 2014 و2015 م حفر العمال المصريون فرعاً جديداً للقناة بطول 33 كيلومترا وهو ما يمثل حوالى 17.5% فقط من طول القناة الرئيسية، وكانوا في ظروف معيشية ومجتمعية مرفهة، ومقابل رواتب ضخمة، وباستخدام أدوات حديثة من كراكات وحفارات وغيرها، وهو ما يعني أن هذه المسافة (33 كيلومترا) وبمعدل الحفر الذي تم للقناة الرئيسة 193.2 كيلومترا عام 1859م ، كان يمكن حفرها ـ منذ 156 سنة ـ فى عام و9 شهور فقط، ومن دون أية أدوات متقدم، بل بأدوات شديدة البدائية، وفي ظروف معيشية ومجتمعية قاسية، فعن أية معجزة تتحدثون يا سادة؟
الموضوع الآخر هو ما تم إنفاقه من مليارات على التفريعة الجديدة، وتعميق جزء من الممر القديم، من خلال ميزانية دولة مأزومة، يعاني أهلها العوز والفقر والجوع والمرض، وهل سيتناسب مع العائد والمستهدف لحل الأزمة الاقتصادية التي تعانيها مصر؟
الفكرة الثانية تتعلق بحجم الدعاية المبالغ فيها حول إنشاء التفريعة الجديدة وتعميق الممر القديم، وتصدير وهم أن هذا المشروع هو أكبر مشروع تنموى سيخرج مصر من أزمتها!! وهي دعاية صدرها الإعلام المشتاق إلى حضن النظام لشعب جائع يحلم ليس برغيف عيش، إنما بكسرة خبز، فأزمة المصريين الاقتصادية تتعلق بالأساس بالبطالة ونقص المشروعات التنموية الإنتاجية وانهيار المنظومة المجتمعية بروافدها الصحية والتعليمية وغيرها، وهذا أمر لن يحله مشروع تطوير قناة السويس ولا توسيعها أو تعميقها، وخاصة وأنه حمّل مصر بأعباء مالية ستزيد أزمتها المالية، فكان خطاب الإعلام المغرض وكأنه يداعب أحلام الجوعى الفقراء المرضى ليناموا وهم يحلمون بقناة خير لا وجود لها في الواقع، والكارثة كل الكارثة للجميع عندما يستيقظ الجوعى المأزومون من سباتهم ويخرجون من دائرة الأحلام .
المتوقع، والطبيعى، من أي نظام فى أية دولة هو أن ينشغل ويهتم بتطوير أوضاع بلاده وابتكار مشروعات اقتصادية تدعم استقرارها واستقرار شعبه، وهو أمر لا يدفع الإعلام الى الترويج بهذه المبالغة التي حدثت مع مشروع قناة السويس الجديدة باعتبارها طفرة غير مسبوقة!! وعلى سبيل المثال لا الحصر هناك مشروع يتم بين الصين وإسبانيا خاص بإنشاء خط سكة حديدية، سيغني البلدين عن استخدام النقل البحري والجوي ويكون آمنا بالنسبة للنقل البري المعتاد، وهو مشروع تستفيد منه 6 دول أوروبية و3 دول آسيوية. وبرغم أهمية هذا المشروع، الذي ربما تكون له أيضا بعض الآثار السلبية على قناة السويس لأنه سيقلل حجم استخدام هذه الدول لممر القناة فى نقل بضائعها، فإنه لم يمارس حوله ربع الدعاية التى مورست حول التفريعة الجديدة للقناة.
وأخيرا صدق من قال: عندما يكثر الكلام يقل الفعل المفيد. و”الجعان يحلم بالقنال إلى أن يستيقظ”.
___________________
*كاتب وصحفي مصري
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
