عبير الفقيه تكتب: المجرّ وخطة منع توافد اللّاجئين السّوريين

عبير الفقيه*
      تهاطلت علينا صور ومقاطع الفيديو القادمة من المجرّ الأسبوع الماضي بخصوص موجة اللّجوء السّوري إلى دولة المجر مشيا على الأقدام. فلم نكن لنستوعب لهجة الوعيد والتّحذير من “فيكتور أوربان” رئيس وزراء هذا البلد  رافضا احتواءهم، حتّى أجهزت علينا ركلات المصوّرة المجرّية للهاربين من براثن البوليس المجرّي خشية الاعتقال ومنعهم من مواصلة المسيرة إلى برّ أمان يسمح بالحق في الحياة مع ضمان حدّ أدنى من الكرامة. 
 الفيديو كان مستفزّا لكلّ إنسان مازال يحمل بقايا إحساس على الأقلّ تجاه صور الأطفال الذين ملأوا الشاشات وشغلوا الرأي العام بين متعاطفٍ ومستنكرٍ ومزمجرٍ وباكٍ، فتراهم عُراة، حُفاة، جوعى، غرقى، مخنوقين، محروقين، تائهين في سكك أوروبا وفي طرقاتها، صور تحصر كل من شاهدها في زاوية  لا مخرج منها لمواجهة هذه المحنة الإنسانية، فإمّا ان تكون مع إنقاذ هؤلاء اللّاجئين كيفما كان، أو أن تكون مع التّخلّص منهم حتّى في البحر.
محكومون نحن بموقفين لا ثالث لهما. وقد بات من الواضح أنّ جيوش اللّاجئين السّوريين التي رأيناها تتسلّل سرّا علانيّة إلى المجرّ نحو النّمسا وألمانيا اللّتان فتحتا باب اللّجوء المؤقّت مؤخّرا، قد حسمت أمرها منذ الانطلاق {باستثناء من استوفى جهده في مواصلة المشوار} في اعتبار المجرّ نقطة عبور لا أكثر.  زِدْ على هذا، لقطات البوليس وهو يرمي الخبز للسّوريين الواقفين على أبواب المحطّات في مشهدٍ مُهين جدّا، وكأنّ الفكرة التي يريد النظام المجرّي، حكومة و شعبا، إبلاغنا إيّاها أنّ التصدّي للّاجئين السّوريين “مشروع وطني” وجب العمل به، فهؤلاء الآتون من الشّرق يمثّلون خطرا على النّسيج الاجتماعي للبلد ولأوروبا جمعاء، حتّى وإن توصّلت السياسات الاقتصادية لبلدان الاتحاد الأوروبي {برغم أزمتها} لإيجاد حلول بإقحامهم في قطاعات التّشغيل. وبالتّالي فإنّ الاتحاد الأوربي مطالب، حسب رئيس وزراء المجرّ، بإرجاعهم إلى حدود تركيا حتى يخوضوا معاركهم بعيداً عن أوروبا.
  وتأكيدا لهذه السياسة التي توخّتها المجرّ في التخلّص من هذه الأزمة التي لم تتوقّع حصولها بهذه الضّخامة، فقد عَلَت نبرة تصريحات رئيس وزرائها ووصل التّهديد صراحة، حيث قال “أوربان” للصحفيين بعد اجتماع مع “مانفريد ويبر” رئيس مجموعة حزب الشعب الأوروبي في البرلمان الأوروبي إنه بدءا من 15من سبتمبر / أيلول عندما يبدأ سريان قوانين أكثر صرامة على الهجرة فإن “المهاجرين الذين يعبرون حدود المجر بطريقة غير مشروعة سيُعتقلون”. وأكّدت وسائل إعلام مجرّية خبر التّسريع في تشييد سياج حديدي مدعوما بأسلاك شائكة يعيق مرور المتسلّلين لها عبر حدود البلد الجنوبية مع صربيا بطول 175 كيلومترا وأنّ الأعمال حثيثة لإنهائه أوائل أكتوبر/ تشرين.  
      قد يبدو الأمر إلى هذا الحدّ “معقولا” إذا نظرنا إلى المسألة سياسيّا ومن دون اعتبارات انسانيّة، لكن تفاصيل مشروع السّياج  تجعلنا نفهم انّ نبرة التهديد العالية والعدوانية التي أظهرها معظم المجتمع المجرّي في التعامل مع قضية اللّاجئين جاءت متناغمة مع الخصائص التقنية التي حرصت السلطات المجرية على أن تتوفّر في هذا السّياج. إذ كشفت وسائل إعلام إسبانية هويّة الشّركة الإسبانية صاحبة هذه الصّفقة، وهي شركة  موجودة بمالاغا جنوبي إسبانيا، وهي الشركة الوحيدة في أوروبا التي تنتج نوعا بمواصفات عالية من السّياجات الحديدية والأسلاك الشّائكة غير قابلة للصّدأ والمستعملة غالبا لرسم حدود بلدان تمثّل وجهة للهجرات غير الشرعية. المتحدّث باسم الشّركة  “خوسي ماريا غوماث” ذكر أنّ المجرّ اقتنت نوعا غاليا من هذه الأسلاك، فهي تحمل  سلسلة من الشّفرات الحادّة، بطريقة تعيق مرور أيّ متسلّق لها. وحتى في حالة عبوره فإنّ الجروح التي تخلّفها بليغة جدّا، أدّت إلى موت البعض في سبتة ومليلة. 
    وبما أنّ المنتج مُجرّب في حدود إسبانيا التّرابية مع المغرب وأثبت جدواه {برغم احتجاجات برلمانيّين إسبان على وحشيّة الطّرق التي تتوخّاها وزارة خارجيّتهم في اعتماد هذا النّوع بالذات من الأسلاك} فإنّ الشركة المنتجة تُفاخر بمنتوجها، وتؤكّد انّه أجدى حتى من حيطان الأسمنت التي تشيّدها بعض البلدان رسما لحدودها مؤخّرا. ويضيف المتحدّث باسم الشّركة أن المنتج يحمل ختم ” صنع في اسبانيا” ويعرض أشكالا عديدة من الشفرات المستعملة لتأمين دور الأسلاك في أداء وظيفتها من حماية للحدود، فيمكن أن تأتي الشفرات على شكل سهام حادة، مع تحديد لاتجاهاتها حسب متطلّبات البلد الحريف. وفيما تتباهى هذه الشركة  بمنتوجاتها وازدياد الطّلب عليها، تأتي أصوات الحقوقيين وبعض السّياسيين مستنكرة ما وصل إليه التّواطؤ بين الحكومات وهذه الشركات. إذ لم تقنع إجابات وزير الخارجية الإسباني الواهية إلى حدّ الآن هذه الأصوات المحتجّة لا بسحب هذه المواصفات، ولا بإجبار الشركة على التوقّف على الانتاج. 
     في الحقيقة، لا يمكننا أن نُنكر أن أزمة لجوء الشعب السّوري عموما وضعت سمعة دول الجوار ودول أوروبا تحت المجهر. إذ كشفت مدى تعاطف جزء كبير من شعوبها مع اللّاجئين {باستثناء المجرّ} في تعارض واضح مع مواقف الحكومات السياسيّة من النّظام السّوري، فحسابات الأنظمة لا تبالي  بصورة “عيلان” الطفل الغريق ولا الأب وابنه اللّذين ركلتهما الصحافية المجرّية. بل بمقاييس أخرى تماما قد تجعل من صفقة 175 كيلومترا من الأسلاك الشائكة “العالية الجودة” أهمّ بكثير من آلاف الباحثين عن حياة.
 ____________________________

*كاتبة تونسية مقيمة في إسبانيا  

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان