أحمد قناوي يكتب: تدليل الفساد

وفر شعار الحرب على الإرهاب الذي اعتمده النظام وسوق له، وجند فيه الإعلام والصحافة وجعله القضية الأولي دخانًا كثيفًا غطى على عمليات فساد واسعة في قطاعات مختلفة.. يتبع.

أحمد قناوي*

ربما كانت العبارة التي أطلقها عبد الفتاح السيسي : “الدعم أخطر على مصر من الفساد” مؤشرًا لنظرة نظام الحكم لقضية الفساد الذي تحتل مصر فيه موقعًا متقدمًا، وأن الأولوية الآن هي للدعم، ليس لضخ مزيد من الأموال لصالح الطبقات الفقيرة وهي التي تمثل الأغلبية الكاسحة من الشعب المصري، ولكن للحد منه في السبيل إلى إلغائه تمامًا لتتسق الأحوال مع مقولته أيضًا “اللي عاوز خدمة يدفع” وتلقي الكثيرون الإشارة وتزايد الفساد على نحو لم يسبق له مثيل.
أذكر أنه في زيارة لي لمصاب في حادثة، وهو أحد أبرز الصحفيين المعنيين بنشر قضايا الفساد، ويعد  محسوباً على النظام الحالي، وفي جلسة الدردشة معه في غرفته بأحد المستشفيات، كان رأيه أن الفساد الآن أخطر من عصر مبارك عشرات المرات، وأن ما كان يمكن أن يحدث سابقًا في السر يحدث الآن علنًا.
لعل الأرقام التي يتم تداولها الآن فقط في قطاع الزراعة أن قيمة الفساد في هذا القطاع تصل إلى 600 مليار جنيه وفي قطاع واحد، وهو مبلغ يقترب من نصف مديونية مصر كاملة، كما أنه مبلغ يتجاوز مرات ومرات مساعدات دول الخليج إلى مصر عقب 30 من يونيو, ويدل الأمر بشكل واضح على أن حجم الفقر في مصر يساوي حجم الفساد فيها.
وقد وفر شعار الحرب على الإرهاب الذي اعتمده النظام وسوق له، وجند فيه الإعلام والصحافة وجعله القضية الأولي دخانًا كثيفًا غطى على عمليات فساد واسعة وفي قطاعات مختلفة، حتى بات اتهام الإخوان في كل قضية فيتهم أستاذ جامعة ببيع الامتحانات وتسريبها ويلقي القبض عليه فيتهم الإخوان أنهم وراء ذلك، وتغرق باخرة فيتهم الإخوان، ويتحدث أحد عن دولة القانون وحقوق الإنسان فيكون الرد المعلب الجاهز لدينا معركة مع الإرهاب.
 كل هذه الأجواء منحت الفاسدين حرية الحركة وجعلت ملاحقتهم أولوية ثانية وربما ثالثة على فرض وضع ذلك في جدول الأولويات أصلاً.
في ظل هذه المعطيات بات البحث عن موارد بعيدًا عن ملاحقة المفسدين، فتم رفع الأسعار والضرائب ليدفع المواطن البسيط الثمن مرة ثانية، الأولى بنهب الأموال العامة والثانية بتسديد نفقات النهب عبر دفعه فاتورة ذلك من أسعار وضرائب. ومثال بسيط على حجم الفساد أن موظفة تشغل مجرد سكرتيرة لمسؤول مالي في وزارة التعليم في مدينة 6 أكتوبر متهمة أنها استولت على 300 مليون جنيه، إلى هذا الحد يمكن تصور حجم فاتورة الفساد في كل القطاعات والتي كان على المواطن البسيط تسديد كلفتها من دخله المنخفض أصلاً.
وحين تستعر حرب شعواء ضد المستشار “هشام جنينه” في مثل هذه الأجواء تصل إلى حد اتهامه بعلاقة وطيدة مع تنظيم حماس وأنه رجل الإخوان حتى اضطر الرجل للحديث نافيًا كل ذلك وهو الذي يحظى بسمعة جيدة في كافة الأوساط القانونية والسياسية ويتبوأ أهم جهاز في مصر معني بمكافحة الفساد وهو الجهاز المركزي للمحاسبات، لتجسد هذه اللمحة جزأ هاما في صورة كاملة أن مكافحة الفساد ليست أولوية!! وربما رفع الدعم أهم منها!!
لم يكن غائبًا عن الصورة الكاملة مجموعة تشريعات وتعديلات قانونية على قانون الإجراءات الجنائية وغيرها من القوانين تفتح الباب أمام تصالحات في جرائم مالية شريطة دفع الأموال، نذكر مثلاً من هذه التعديلات القانون رقم 16 لسنة 2015 بتعديل قانون الإجراءات الجنائية وفيه أجاز التعديل التصالح على كل الجرائم المنصوص عليها في الباب الرابع من الكتاب الثاني من قانون العقوبات وهي الجرائم التي تقع على المال العام مثل اختلاس المال العام والعدوان عليه والغدر.
وفي ظل هذا المناخ العام الذي تفشى فيه الحديث عن الفساد تم إلقاء القبض، في عملية جرى إخراجها بإتقان،  على وزير الزراعة المقال في ميدان التحرير استدعاءً لصورة قد تبدد بعض ما علق بالواقع، بتهمة تلقيه رشاوى من شخصية سبق أن قضت خلف القضبان سنوات بذات التهمة في عهد مبارك، وذلك لتسهيل الاستيلاء على أكثر من 2500 فدان من الأراضي الزراعية لأحد رجال الأعمال، وكان ضمن الرشاوى حج أكثر من 16 شخص رشحهم الوزير إلى بيت الله الحرام بأموال الرشوة! وبصرف النظر عن التفاصيل القانونية في أن رجل الأعمال ذاته، بنص المادة 107 مكرر من قانون العقوبات، وهو الراشي وكذلك الوسيط سيحصلان على إعفاء من العقوبة حال اعترافهما، وبرغم أن أسماء كثيرة تردد ذكرها منهم وزراء حاليين وصحفيين، لكن الاقتناع الكامل بأن الأمر لن يخرج عما تم وسيبقى في حدوده التي تقررت. أيضًا جاء القبض على شخصية برلمانية سابقة وذلك بزعم طلبه رشوة تصل إلى 5 ملايين جنيه لتنازله عن إحدى القضايا التي تتعلق بأموال الدولة، وبصرف النظر أيضًا عن الموقف القانوني الذي يحكمه نص المادة 106 مكرر من قانون العقوبات التي تجعل عقوبة هذا الفعل مجرد الحبس وهي العقوبة التي تبدأ بالحبس 24 ساعة حتى ثلاث سنوات بل إنها تجعل توقيع غرامة بديلاً عن الحبس أمرًا ممكنًا، ومن ثم فإن كل القطط السمان (وهو تعريف د. رفعت المحجوب عن الفاسدين)  مرشحة للخروج مرة أخرى حرة طليقة مع كل القطط التي مازالت تعمل بدأب في هذا الحقل نافذين في كل القطاعات، ولم لا والشخص الذي كان وسيطًا في الرشوة مع وزير الزراعة قضي سنوات في السجن في عقوبة تتعلق برشوة أيضًا وخرج عائدًا إلى رصيد علاقاته مع شخصيات نافذة في المجتمع ليمارس ذات الفعل ومع وزراء ونافذين، وكانت صورته مع “عبد الفتاح السيسي” وزير الدفاع وقتها جواز سفر جرى استثماره على نطاق واسع، وهو ما يكشف حجم المضبوطات التي وجدها فريق الرقابة الإدارية التي ألقت القبض عليه، والتي تتنوع  من أوراق أراض وعقارات وعقود وتعهدات وتسجيلات إلى صفقات وعلاقات مع  معظم أركان النظام برغم كل ما كتبه من مقالات في إحدى أبرز الصحف الإلكترونية عن مهاجمته للفساد والفاسدين.

_________________________

*كاتب مصري ومحام بالنقض

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان