عصام تليمة يكتب: العسكر وثقافة (الصايع الضايع)!

لا أدري لماذا يتعجب ويتندر الناس على كلمة اللواء عباس كامل مدير مكتب السيسي، عند تعليقه على وزير البترول سابقاً، ورئيس الوزراء ، عندما قال عنه: الوزير الصايع الضايع؟
عصام تليمة*
![]() |
لا أدري لماذا يتعجب ويتندر الناس على كلمة اللواء عباس كامل مدير مكتب السيسي، عند تعليقه على وزير البترول سابقاً، ورئيس الوزراء، عندما قال عنه: الوزير الصايع الضايع، وهذه طبيعة عجيبة في الشعب المصري، إذ إنهم يرون الأمر ليل نهار، ويعايشونه في حياتهم، ويكاد يكون من الثوابت في ثقافتهم عن العسكر، من حيث سوء ألفاظهم، فمعظم الشعب المصري يدخل الجيش، لأداء الخدمة العسكرية، ويسمع بأذنه السباب والشتائم، بأقذع الألفاظ على الأب والأم، من أصغر رتبة في الجيش، لمجندين كلهم مؤهلات عليا، وكأنه بذلك يواري عقدة نقص ما، بل يسمع الناس سب الدين بآذانهم في الثكنات والوحدات العسكرية من القادة العسكريين، صغارا وكبارا.
ارجعوا لمذكرات العسكر من ضباط يوليو، ستجدون عبارات لا حصر لها من البذاءات والشتائم، والسب بالأب والأم، وقد كان من سخريتهم يقومون بذلك علنا، بل زادت وقاحة أحدهم، وهو جمال سالم، وكان يحاكم الإخوان في سنة 1954م، فيأمر المتهم في قاعة المحكمة، والإذاعة المصرية تنقل المحاكمة، فيقول له: اقرأ الفاتحة بالمقلوب، فيقول المتهم: كيف أقرأها بالمقلوب؟ فيقول القاضي العسكري الهمام: أنت تعرف كيف تقرأ الفاتحة بالمقلوب فلا تتعلل. ووقف زعيمهم عبد الناصر يقول في خطاب رسمي متطاولا على علماء الأزهر: الأزهري من دول ادي له بطة يديك فتوى.
وهل حدث الاغتصاب في السجون المصرية إلا في حكم العسكر، اغتصاب النساء والرجال، ومما حكاه موسى صبري في كتابه: (وثائق 15 مايو ص318) واقعة نقلها صلاح الشاهد إلى جمال عبد الناصر، وخلاصتها: أن سيدة فاضلة وقع عليها تعذيب مرير، وجيء لها بوحش في صورة إنسان ليهتك عرضها، ولما ذهب صلاح الشاهد يشكو لعبد الناصر: نظر إليه عبد الناصر بضيق شديد وقال له: ملكش دعوة بالحاجات دي. هو حد من أقاربك اتعذب. الحاجات دي يشوفها سامي شرف”. وحالة أخرى ذهب الشيخ الباقوري يشكو لعبد الناصر أن الأمن أخذ أحد مشايخ الأزهر للسجن الحربي، وأنه اغتصب، فغضب عبد الناصر ونهره، وقال له: لا تتكلم مرة أخرى في هذه الأمور.
وهل كان يسب الله عز وجل في المعتقلات والسجون إلا في حكم العسكر، ومن ذلك نموذج مشهور وهو اللواء حمزة البسيوني عندما أراد أحد المسجونين أن يذكره بالله، فقال له: ربنا بتاعك ده لو نزل لي هحطه في زنزانة.
بل لم يحدث في تاريخ مصر التطاول على الذات الإلهية ومقام النبوة في الصحف والمجلات، إلا في حكم العسكر، فقد كتب رئيس تحرير مجلة (الأزهر) مقالها الافتتاحي يفضل فيه عبد الناصر على محمد صلى الله عليه وسلم، الذي لا يصل عبد الناصر ولا حكام مصر بأسرها ـ عسكر ومدنيين ـ إلى وزن شعرة من صدره صلى الله عليه وسلم، أما الكاتب فهو الأديب المعروف أحمد حسن الزيات، تحت عنوان (أمة التوحيد تتوحد) كتب يقارن فيه بين الوحدة المحمدية (نسبة إلى محمد صلى الله عليه وسلم) والوحدة الصلاحية (صلاح الدين الأيوبي) والوحدة الناصرية فقال:
(إن الوحدة المحمدية كانت كلية عامة، لأنها قامت على العقيدة، ولكن العقيدة مهما تدم قد تضعف أو تحول. وإن الوحدة الصلاحية كانت جزئية خاصة لأنها قامت على السلطان، والسلطان يعتريه الوهن فيزول. أما الوحدة الناصرية فباقية نامية، لأنها تقوم على الاشتراكية في الرزق، والحرية في الرأي، والديمقراطية في الحكم). انظر: افتتاحية مجلة الأزهر العدد الأول من السنة الخامسة والثلاثين الصادر في المحرم سنة 1383هـ ـ يونيو سنة 1963
فثقافة (الصايع الضايع) ليست دخيلة على حكم العسكر، بل المستغرب بحق هو إنكار الشعب المصري لذلك، وتناقضه في الحكم بين من يمارس هذه البذاءات من الشعب، ومن يمارسها من العسكر، ولذا قلت مرة متندرا: نسمع سب الدين والشتائم القبيحة في الشارع من البلطجية، فنقول عنهم: إنهم حثالة المجتمع، إنهم بلطجية، بينما نسمعها من الباشوات، فنقول عليهم: خير أجناد الأرض
__________________________
* من علماء الأزهر
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
