محمد منير يكتب: أحلام سيادتك دساتير يا ريس

بعد ما يقرب من عام وانتقال السيسي من موقع وزير الدفاع إلى موقع رئيس الدولة، تغير منطقه السياسي ورؤيته لبعض مواد الدستور اللى كان يراها مهمة لوضعه.. يتبع
![]() |
محمد منير*
الدستور هو مجموعة المبادئ العليا والقيم والأهداف السياسية التي يتفق ويتوافق عليها المجتمع والتي تصاغ فى شكل وثيقة دستورية تكون ملزمة للجميع.
وفي تعريف آخر، الدستور هو القانون الأعلى الذي يحدد القواعد الأساسية لشكل الدولة (بسيطة أم مركبة) ونظام الحكم (ملكي أم جمهوري) وشكل الحكومة (رئاسية أم برلمانية) وينظم السلطات العامة فيها من حيث التكوين والاختصاص والعلاقات التي بين السلطات وحدود كل سلطة والواجبات والحقوق الأساسية للأفراد والجماعات ويضع الضمانات لها تجاه السلطة.
ما علينا، قبل الدخول في الموضوع أوضح أن الولايات المتحدة الأمريكية، والتى تعد أكثر دول العالم استقراراً في نظامها السياسي يستند نظام الحكم فيها على دستور مكتوب في صفحات قليلة صدر في العام 1791 أي من 224 سنة، وتم إجراء 27 تعديلا عليه حتى الآن بمعدل تعديل كل 8 سنوات ونصف السنة، وظل الدستور الأصلي مفعلا منذ 224 عاما .
وتستمد مواد الدستور الأمريكي مضمونها من نظريات الفلاسفة الإنجليز “جون لوك” و”توماس هوبز” و”إدوارد كوك” والفيلسوف الفرنسي “جان جاك روسو” وآمن هؤلاء المفكرون بأن قبول الأفراد بالالتزام السياسي تجاه المجتمع يتم على أساس المصلحة الذاتية والمنطق.
ويستهدف الدستور صياغة مجتمع مدني تكون لأفراده حقوق وواجبات، كما أن الفقرة السادسة من الدستور الأمريكى تنص على أنه ليس من الوارد إجراء اختبار ديني لأي شخص يرغب في شغل أية وظيفة حكومية. كما نص أول تعديل أُدخل على الدستور على أن الكونغرس لن يقوم بأية حال من الأحوال بتشريع قانون قائم على أساس ديني، والشعار الذي اتخذته الولايات المتحدة تعبيرا عنها “نثق بالله” بعيداً عن اختلاف الأديان وبالتالي اتسعت مظلة الدستور لتشمل كل المواطنين على أرض البلاد بصرف النظر عن اختلاف عقائدهم.
في مصر ظهر أول دستور في العام 1879 ومنذ ذلك التاريخ وحتى الآن تم تغيير الدستور كاملا 10 مرات أي دستور جديد للبلاد كل 13 عاما ونصف العام ! هذا غير التعديلات والفترات الطارئة التي تعطل فيها العمل بالدستور وهي ليست قليلة.
وإذا كان الدستور الأمريكي قد قوض صلاحيات رئيس الجمهورية بمشاركة واسعة للكونغرس، فإن الدساتير المصرية تجنبت فكرة التقليص من السلطات المطلقة للحاكم، وكثرت بها الاستثناءات من القواعد وخاصة لمؤسسة الجيش .
وهنا لنا وقفة، فالدستور الأمريكي ثابت ولم يتم تغييره منذ العام 1791, والشاهد هنا أن النظام الحاكم يتكون طبقا لدستور البلاد والتعديلات الدستورية تكون للضرورات العامة وبقرار من الكونغرس وليس من الحاكم.
وفي مصر تغير الدستور تماما عشر مرات منذ إعلانه في العام 1897، والشاهد هنا أن الدستور يتم تعديله حسب توجه الحاكم الجديد والنظام الحاكم على عكس الطبيعة السياسية والتي تجبر الحاكم على الالتزام بالدستور وليس تغييره ولا تعديله طبقا لتوجهاته. وبعد ثورة 2011 لم يهتم الثوار أصحاب المصلحة في التغيير بإقصاء أدوات النظام القديم وتغييرها بقدر اهتمامهم بتغيير الدستور ليتلاءم مع توجهات النظام الحاكم الجديد، والتي كانت ذات ملامح إسلامية، وهو ما يخلق بعض المشكلات مع مبدأ المواطنة التي يقوم عليها مبادئ أي دستور.
وتم تغيير الدستور وسط حماس غير مسبوق وبعض المعارضات، وبعد الانقلاب على الحكم في 30 من يونيو/حزيران تم تغيير الدستور مرة أخرى بعد مرور أقل من عامين وتحديدا في العام 2014 ، وشهدت هذه الفترة حالة من الحماس الانفعالى لدستور 2014 الجديد من أنصار النظام الحاكم الموجود الآن، واعتبر نظام الانقلاب أن معركة الدستور هي معركته الأساسية في مواجهة النظام السابق أو نظام الإخوان المسلمين.
وفي هذه الفترة لم يكن قائد الانقلاب الفريق “عبد الفتاح السيسي” قد نُصب بعد رئيسا للجمهورية، وكان المناخ السياسي به قدر من الارتباك، ولهذا تضمن الدستور مادة غير مسبوقة في أي دستور في العالم وهي المادة (174) والتي أعطت رئيس الجمهورية الحق في تعيين وزير الدفاع من بين ضباط القوات المسلحة لمدة دورتين رئاسيتين (ثماني سنوات) بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة عليه، من دون الإخلال بحق الرئيس في عزله.
والشاهد أن “السيسي” كان يهدف لتحصين منصب وزير الدفاع الذى كان يشغله آنذاك، ولكن الواضح أكثر أن المقصود كان تعظيم دور المجلس الأعلى للقوات المسلحة لبقاء هيمنة الجيش على الحياة السياسية في حالة وجود رئيس مدني.
دستور النوايا الحسنة
وبعد ما يقرب من عام وتولى “السيسي” حكم البلاد وانتقاله من موقع وزير الدفاع إلى موقع رئيس الدولة، تغير منطقه السياسي وتغيرت رؤيته لبعض مواد الدستور التي كان يراها مهمة لوضعه وقتما كان وزيرا للدفاع، وانتهى دورها بعد استقراره كرئيس للجمهورية وألمح إلى ضرورة تغيير الدستور الذي وصفه متهكما بـ “دستور النوايا الحسنة”.
الغريب أن الأصوات التي ارتفعت دفاعا عن دستور2014 وخرجت ترقص له في الشوارع وتشنجت وتعصبت من أجله، هي الأصوات نفسها التي تسابقت بعد تلميح “السيسي” وطالبت بأهمية تغيير الدستور، بل وصل الأمر بالكاتب عاشق الرؤساء بأن يعلن أن عدم تغيير الدستور سيعرقل برنامج الرئيس، ونسى العاشق الولهان فى غمرة حماسه أن الرئيس سبق وأن أعلن أنه ليس لديه برنامج، وتحول الدستور في مصر من مبادئ تحكم قواعد الحكم في البلد إلى مبادئ تعبر عن أهواء وتوجهات الحاكم بسند شعبي رسمي شعاره الوحيد “أحلام سيادتك دساتير يا ريس”.
________________________
*كاتب وصحفي مصري
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
