عبير الفقيه تكتب: ركلة في المجرّ تفتح أبواب مدريد

غالبا ما يرافق ازدياد شعبيّة مشاهير معيّنين موجات تشكيك في النوايا الحقيقية لهؤلاء “الأبطال” و تذكير دائم بخفايا الأرباح التي تتحقّق لهم بفضل ترسانات “البروباغندا”
![]() |
عبير الفقيه*
عجّت مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام نهاية الأسبوع المنقضي بصور ومقاطع فيديو للمفاجأة التي حوّلت اللّاجئ السّوري ” أسامة عبدالمحسن” من ضحيّة ركلة مُهينة من المصوّرة المجريّة وهو على خطّ حدودي بين المجرّ وصربيا يتدافع مع بقيّة الفارّين من نار حرب سوريا نحو أملٍ في الحياة على أرض ألمانيا أو النّمسا، الى بطل يتصدّر الشاشات على أرض إسبانيا التي استقبلته من الباب الكبير، وجعلت الحشد الإعلامي المُتقن الذي حظى به يغطّي الى حدّ ما على القضيّة الأمّ: أزمة الحرب في سوريا وورطة الاتحاد الأوربي في التعامل مع اللّاجئين السوريين.
السيّد ” أسامة عبدالمحسن” و نجله “زياد” ذو السّبع سنوات أثارا تعاطف واستنكارً كثيرين، و صل ببعضهم الى شنّ حملات افتراضية للمطالبة بمعاقبة المصوّرة قضائيّا، وتقديم اعتذار منها لردّ اعتبار علّه يخفّف من حدّة الخدش الذي سبّبه تصرّفها في نفس الأب وطفله وعائلته والمتعاطفين معه.
حملات افتراضيّة، وتغطية إعلامية شافية، لم يتوقّع المساهمون فيها أنفسهم ان تلقى صدًى في أنْـفُس شخصيّات ومؤسّسات، وهيئات عالميّة تدخل على المشهد فتحوِّل دموع العجز والقهر غبطةً و سرورا.
والقصّة تنطلق من مبادرة نادي كرة القدم الإسباني “جيتافي” بعد انتشار فيديو الرّكلة بإرسال دعوة للسيد أسامة وابنيه بقصد توفير الإقامة للعائلة والحق في العمل للأب وابنه الأكبر.
الأب باعتباره مدرّبا سابقًا لفريق “دير الزور” لكرة القدم، أوحى بفرصة احتوائه في النادي المضيّف لشغل خطّة من الخطط التقنية التي يجيدها، وقد كان له ذلك.
وبعد تأمين دعوة قانونية من السلطات في مدريد سافر السّيد أسامة وابنيه على القطار، وترجّلوا سلّم الأمل مخلوطا بالشّهرة محطّة، محطّة، وكأنّ تهافت الجمهور والمصوّرين في برشلونة {كمحطّة في الطريق} ثمّ مدريد، بمثابة التّحضير للحظات المفاجأة الأكبر، ألا وهي التّتويج الشّرفي من طرف النادي الملكي “ريال مدريد” في مقرّه أوّلا، ثم على أرضية ملعبه الشّهير، وأنظار جمهوره مشدودة نحو مقابلته مع فريق غرناطة.
الحبْكة الفنيّة في الاخراج الإعلامي للحدث، جعلت من الطّفل نجمًا مكتمل الأوصاف، إذ بات من الواضح انّ قسمات وجهه و شعره المسدل، وابتسامته الطّفولية جدّا، وانطلاقه وتلقائيّته، استعطف كل هذا قلوب كل من رآه يسقط من على كتف أبيه في المجرّ، ويبتهج للنهاية السّعيدة التي يعيشها في مدريد.
وقد ألهمت أوصاف الطفل هذه ومؤهّلات أبيه الرّياضية وربّما وسامة أخيه أيضا، إضافة إلى نسبة المشاهدة التي جنتها ” الرّكلة” قريحة مستثمري نادي الرّيال، وانتظروا مجيء العائلة إلى أرضهم، ووظّفوا التقنيات العالية لخليّتهم الإعلامية والذكاء التّسويقي الجبّار، و كانوا في الموعد.
وما هي الّا سويعات حتى تصدّرت فيديوهات زيارة العائلة إلى مقرّ النادي صفحة فريق الرّيال مدريد على الفايس بوك، و منها إلى الجرائد و شاشات القنوات التلفزية. و تركّز اهتمام جمهور النّادي والمتابعين لتفاصيل تطوّرات عائلة أسامة عبدالمحسن على حفاوة رئيس النادي، وبقية الشخصيات المشهورة والترحيب بهم، وعلى رأسهم نجم الرّيال الأوّل كريستيانو رونالدو. وكانت خطوات الطّفل وضحكاته الحلوة ناطقة بالغبطة، وهو يتجوّل بأريحية في مقرّ النادي ثم المتحف مرتديا كما أهله الزّيّ الرّسمي للفريق.
الفيديو الأوّل لاستضافة العائلة، عزّزه آخر مساء نفس اليوم، قدّم فيه نجوميّة الطّفل “زياد” على نجم العادة كريستيانو، فخرج هذا الأخير من غرفة الملابس مرفوقا بضيف السّبع سنوات لمباراة فريقة مع غرناطة، ونال اهتمام كل زوايا كاميرات ملعب ” البرنابيو” بمدريد. إخراج ذكيّ طفت عليه حفاوة إنسانيّة فائضة على سمعة النّادي وطاقمه ونجومه، وأنست المتابعين لقصّة العائلة، الدّعوة الأساسية من نادي “جيتافي” وتكفّله بتوفير الإقامة وفرصة العمل للأب و ابنه في مدريد.
وانقاد الجميع مسحورون بسطوة الصّورة الى التّهليل بما فعله نادي ريال مدريد، “ناصر المستضعفين”.
ولكن، أيّا تكن هذه المبادرات من الشخصيّات الرّياضية المشهورة و النّوادي التي تحظى بجماهيرية عالية تجاه دعم القضايا الإنسانية عموما ومحنة اللّجوء السّوري على أبواب أوربا خصوصا، فإنّ أصوات النّقد تعلو بقدر النّجاح الذي تحقّقه هذه المبادرات. إذ غالبا ما يرافق ازدياد شعبيّة مشاهير معيّنين في نفوس معجبيهم والنجاح في استقطاب شقّ جديد من الجمهور، موجات تشكيك في النوايا الحقيقية لهؤلاء ” الأبطال” و تذكير دائم بخفايا الأرباح التي تتحقّق لهم بفضل ترسانات “البروباغندا” التي تقف وراءهم.
نقد يمكن أن يلقي صداه في عقولٍ تحرص على البحث في ما وراء المشهد، و لكن السّواد الأعظم من جمهور مشاهير الرّياضة، وكرة القدم بالذات لا يأبه بهذا الجانب أبداً.
التوظيف، والاستثمار، والتربّح عبر استخدام القضايا الإنسانية الكبرى، أساليب تنتهجها الحكومات والشّركات العملاقة والنّجوم من الشخصيات الفنية والرياضية وحتى العلمية أحيانا { كدعم مارك زيكربغ للمخترع الصغير الامريكي/ السوداني أحمد} لـ” تعزيز” مكانة هذه الشخصيات في قلوب النّاس ان كانت تحظى بمصداقيّة، أو” اكتسابها” شيئا فشيئا من خلال حملات تقترب من الضّحايا و تنصرهم.
حملات تغفر أحيانًا النّوايا الإعلانية النفعية المفضوحة من طرف الـ “مستثمرين” بما أنّها تكشف في المقابل أنّ المجتمعات مهما تمدّنت وحقّقت ثقة عالية بقدراتها فإنّها تبقى بحاجة إلى التّذكير بين الحين والآخر بضرورة التّحلي بـقيم إنسانية سمحة أبسطها : أن تحوّل دموع طفل إلى فرحة عارمة تثلج الصّدور و تؤكّد على أن أبواب الأمل لا تُغلق.
_______________________
*كاتبة تونسية مقيمة في أسبانيا
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
