نصر الدين قاسم يكتب: أسعار النفط في الجزائر تسقط أوراق التوت

التخوف من محنة قريبة استبد بالجميع، تخوف زادته حدة تصريحات المسؤولين المتناقضة وغير المنسجمة والتي تنم عن خلط وتناقض كبيرين وقعت فيه السلطات.. يتبع.
![]() |
نصرالدين قاسم*
بمجرد أن هوت أسعار النفط حتى اهتز كل شيء في الجزائر وأصاب الجميع الهلع، وارتبكت الحكومة واضطرب الاقتصاد وعمت الفوضى وتوجس الناس خيفة من مأساة وشيكة وتكرار سيناريو أزمة العام 1986. في تلك السنوات المشؤومة ظلت السلطة تتقعر على الجزائريين بأن البلاد في منأى عن الأزمة الاقتصادية، والجميع يعرف النتيجة. لقد كانت مأساة عامة وكارثة غير مسبوقة في الجزائر: دماء ودموع ودمار.
لقد تأكد للمرة الألف، وبما لا يدع مجالا للشك، فشل المسؤولين الجزائريين أو على الأقل المكلفين بتسيير عجلة الاقتصاد وتطويرها، وعجزهم على إيجاد البدائل والحلول وتصور مسار تنموي يحرر البلاد من التبعية للبترول، ويخرجها من هيمنة أحادية المنتوج والتصدير والتبعية لآفة استيراد كل شيء.
السلطات ومنذ أزمة السبعينيات وهي تعد يتنويع الاقتصاد والاستثمار في قطاعات الزراعة وتربية المواشي والصناعة المتوسطة والصناعة الثقيلة.غير أن كل ذلك باء بالفشل ولم ير منه الجزائريون شيئا، وظل الاقتصاد الوطني قائما على البترول لا غير، وظل المسؤول الجزائري عاجزا لا يحسن سوى “سوء التصرف في الريع البترولي، وتوزيعه توزيعا غير عادل.
لقد سُطرت البرامج، وعين “الرجال” وشُدت الرحال، وشهدت البلاد حمى ما عرف بـ”أكبر شيء في إفريقيا وأكبر انجاز في العالم”، فشيد مصنع الحجار للحديد والصلب وكان أكبر مصنع في إفريقيا ومن أكبر الانجازات العالمية وأصبحت الجزائر من أكبر منتجي الحديد والصلب لكنها ظلت من أكبر مستوردي الحديد للبناء والتعمير وتهيئة البنى التحتية.. وبنيت مصانع لتركيب السيارات والشاحنات فيما عرف بالشركة الوطنية للصناعات الميكانيكية، ومع ذلك ظلت من أكبر مستوردي السيارات والشاحنات.
ووزعت الأراضي على الفلاحين بصيغ مختلفة في إطار ما اصطلح على تسميته بالثورة الزراعية، تارة عن طريق التسيير الاشتراكي، أو التسيير الذاتي، أو التعاونيات الفلاحية ثم المستثمرات، ثم عقود الامتياز وما إلى ذلك وظل “الفلاحون” وفق هذا الفولكلور يتقاسمون الأرباح دون أن ينتجوا شيئا، وظلت الجزائر من أكبر مستوردي الغذاء.. والسيناريو نفسه تكرر في كل القطاعات فقد راهنت الجزائر على الثورة الصناعية والصناعات الثقيلة لكنها فشلت، وتراجعت عن هذا الخيار وعادت ريمة إلى عادتها القديمة.
ثم سطرت السلطات سياسات فاشلة أخرى بعد أزمة عام 1986 تحت شعار ما عرف بالشفافية وإعادة الهيكلة تيمنا بما كان يحدث في الاتحاد السوفييتي في عهد غورباتشوف “البريسترويكا والغلاسنوست”. وعلى ضوء ذلك حُلت الشركات، وصُفيت المؤسسات، وسُرح العمال، وفُككت الشركات الكبرى وفرخت شركات عدة، وصرفت الأموال على إنعاش شركات ميتة.. وانتهت المرحلة بانهيار شامل أصاب البلاد في مقتل، في أحداث الخامس من أكتوبر 1988 الدامية التي خلفت دمارا في الأرواح والممتلكات. أحداث فرضت على السلطة تجديد نفسها من الداخل بتبني انفتاح سياسي وديمقراطي أفضى إلى ما لا تشتهيه هذه السلطة عندما فاز حزب إسلامي فوزا كاسحا بكل الاستحقاقات فقررت الانقلاب ووقف المسار الديمقراطي في 1992.
بعد سنين الجمر والموت أتى على البلاد حين من الدهر انتعشت فيه أسعار البترول فدبت الحياة في جسد الاقتصاد العليل وعادت ظاهرة التسابق على توزيع الريع.. وكما هي العادة كلما انتعشت أسعار البترول كلما هرولت السلطات إلى استعمال تلك المداخيل للتغطية على فشلها وشراء السلم الاجتماعي عن طريق “اطعام الفم لتستحي العين”. الحكاية أصبحت معروفة والكذبة ممجوجة لا يصدقها ساذج، وها هي تتكرر اليوم بكل تفاصيلها المملة لكن بكثير من الارتباك والتناقض والتردد والخوف.. والفضائح أيضا.
المسؤولون هذه المرة يعرفون أنهم برداءتهم وفشلهم وضعوا البلاد على فوهة بركان، ويتوجسون خيفة من انفجار وشيك، فاعدّوا العدة للهرب والرحيل من البلاد، وشهد شاهد منهم على ذلك. فقد أكد السيد “أحمد أويحي” وهو مدير ديوان رئيس الجمهورية والعهدة على الراوي السيد “جيلالي سفيان” رئيس حزب جيل جديد، أن “المسؤولين هرّبوا أموالهم وأولادهم وحزموا أمتعتهم لمغادرة البلاد بمجرد أن يشعروا بالخطر”. السلطات إذن في ارتباك كبير، والشارع متخوف من سنين عجاف. والمرحلة خطِرة والخطب جلل والظروف حساسة والبلاد على كف عفريت وضعية تتطلب حكمة وبصيرة من لدن الجميع حتى لا تنزلق الأحداث وتفلت إلى ما لا تحمد عقباه.
إن التخوف من محنة قريبة استبد بالجميع، تخوف زادته حدة تصريحات المسؤولين المتناقضة وغير المنسجمة والتي تنم عن خلط وتناقض كبيرين وقعت فيه السلطات. فتارة يؤكد الوزير الأول أن الجزائر بخير، وتارة أخرى يحذر ويدعو إلى التقشف، ثم تعود السلطات على لسان مسؤول آخر لتؤكد على خطورة الوضع وضرورة شد الحزام والاستعداد لمرحلة صعبة، ثم يطلع آخر ليعيد التصويب ويصحح التصريحات ويبين للناس أن الأمر لا يتعلق بالتقشف إنما بترشيد النفقات تحسبا لإمكانية استمرار تدهور أسعار النفط.
الجزائر اليوم في مفترق طرق صعب، يهدد مستقبلها وأمنها واستقرارها، بين
أولا: وضعية اقتصادية خانقة بسبب انهيار أسعار النفط وتهاوي قيمة الدينار، وتناقص احتياطي الصرف وضعية تسير بالبلاد إلى باب مسدود، وإلى العودة إلى الاستدانة، إن هو تواصل انهيار أسعار النفط،
ثانيا: جبهة اجتماعية على صفيح ساخن تئن تحت ضغط الأزمة وغلاء الأسعار وصعوبة الحياة وضعف المدخول وقلة الحيلة ومتطلبات الدخول المدرسي، وكبش العيد وملابس الأطفال، والمأكل والمشرب والتنقل..
ثالثا: سلطة لا تريد أن تعترف بالعجز، ولا تقبل بإشراك معارضيها في التفكير والاتفاق على منهج مشترك لإخراج البلاد من هذه الوضعية الصعبة،
رابعا: معارضة ترفض الحوار مع النظام وتعتبره منتهي الصلاحية وتطالبه بالذهاب كخطوة أولى لحل الأزمة وإنقاذ البلاد..
الجزائر بين أكثر من سندان وأكثر من مطرقة، تبقى مفتوحة على كل الاحتمالات والتطورات. وأكبر ما يتوجس منه الجزائريون هو تكرار مأساة أزمة العام 1986 وما تبعها من أحداث مؤلمة لا يتمناها أحد، لكن لا أحد يعمل على درئها أو الحيلولة دون وقوعها، والجميع يلاحظ مقدماتها تتجلى للعيان.
__________________________
*كاتب وصحفي جزائري
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
