ابتسام تريسي تكتب: التدخل الروسي في سوريا

التدخل الروسي في سوريا سيثير شهية الأخذ بالثأر لدى المتطرفين من الأفغان والشيشان وكلّ من قاتلهم الروس سابقاً، ويبدو أنّ روسيا لم تتعلّم من تجربتها في الشيشان وأفغانستان.

*ابتسام تريسي

تبدو سوريا على الخارطة كقطعة “كيك” تثير شهية حكّام العالم الذين لديهم جوع تاريخي لا يسدّه تراب الشرق بأكمله..
بالنسبة للغرب غُلّف ذلك الجوع بقشرة رومانسية رقيقة من الهوس بحكايات ألف ليلة وليلة والتنقيب عن الآثار في محاولة فاشلة لتغطية الشمس بغربال كي لا يرى البسطاء الهدف الأساسي؛ وهو سرقة تاريخهم وآثارهم وكنوزهم.

بل ذهب هؤلاء المستشرقون أبعد من ذلك بأن أثاروا أطماع ضعاف النفوس ليسرقوا آثار بلادهم بالنيابة عنهم، ويبيعونهم إياها بثمن بخس يسكتون به ضمائرهم “إن كان لديهم ضمائر”!

تغيّر الوضع الآن لم يعد هناك داعٍ لإرسال بعثات التنقيب والمستشرقين لدراسة اللغة والتاريخ .. كشفت كلُّ الدول القناع عن وجهها، وكشّرت عن أنيابها، وهجمت هجمة رجل واحد لتنهش القسم الأكبر من الكعكة.

آخر تلك الدول روسيا التي احتلت الساحل السوري بكلّ وقاحة، ومن دون مواربة، وأعلنت نيتها في الدفاع عن مصالحها بل بالدفاع عن ممتلكاتها.. لم يكن السوريون يعرفون من قبل أنّ روسيا اشترت من “الأسد” قسماً كبيراً من أراضي الساحل السوري، بالتحديد من الشاطئ الذي سيطر عليه رامي مخلوف ابن خالة السّفاح بشّار الأسد وحوّله إلى منتجع خاص، وحرم سكّان سوريا من السباحة على شاطئه.

 الأخذ بالثأر
التدخل الروسي في سوريا سيثير شهية الأخذ بالثأر لدى المتطرفين من الأفغان والشيشان وكلّ من قاتلهم الروس سابقاً، ويبدو أنّ روسيا لم تتعلّم من تجربتها في الشيشان وأفغانستان، ربّما لأنّ قادتها وعلى رأسهم “الإمبراطور بوتين” لم يقرؤوا التاريخ جيداً ولا يعرفون من أبجدياته سوى الطمع والغزو والقتل، ولم يقرأ أحدهم روايات العبقري تولستوي الذي كتب روايته الخالدة “الحرب والسلام”، وأكّد في كتابه “مملكة الرب داخلك” على نبذ العنف ودعا إلى المقاومة السلمية، تلك الأفكار التي طبّقها المهاتما غاندي، واستفادت منها شعوب العالم قاطبة، كانت في نظر حكّام روسيا للتصدير الخارجي فقط!

فلم يعد من المخجل التصريح بالهدف الحقيقي للوجود الروسي في سوريا، فقد صرّح وزير الخارجية الروسي “سيرغي لافروف” (نقلاً عن وكالة رويترز) أنّ الرحلات الجوية التي تحمل مساعدات ” إنسانية” إلى سوريا تحمل عتاداً عسكرياً إلى جانب المساعدات الإنسانية.

وقد كانت روسيا وحتى بداية هذا الشهر تصرّ في تصريحاتها العلنية على أنّ رحلات الطيران الروسي إلى سوريا تحمل مساعدات إنسانية فقط، وذلك ردّاً على ما أبدته الولايات المتحدة من قلق كبير بشأن تلك الشحنات إلى سوريا.

ولم تكتفِ أمريكا بإبداء القلق حيال التدخل الروسي بل مارست ضغطاً على اليونان وبلغاريا كي تمنع روسيا من استخدام مجالها الجوي في الرحلات المتجهة إلى سوريا. الآن كشف “لافروف” بكلّ وقاحة عن وجود القوات الروسية على الأراضي السورية منذ ثلاث سنوات!

خلال ساعات سيطر الروس على  مطار اللاذقية وأوجدوا مجموعة قتالية كاملة لحمايته مزودة بالدبابات، وبوارج في البحر أطلقت الاثنين الماضي أوّل صواريخها باتجاه الداخل السوري. فهل يظن “بوتين” أنّه سيغيّر مجرى الأحداث على الأرض بحمايته لبشّار؟

سبق للروس أن فعلوا ذلك في جورجيا والقرم وجزء من أوكرانيا، لكن تلك المناطق كانت ذات حدود مشتركة مع روسيا وجزءاً من الاتحاد السوفيتي سابقاً، أمّا في سوريا فالأمر مختلف وخارج نطاق الحسابات الروسية الفاشلة.

فتجربة الروس في أفغانستان التي أنهكت روسيا اقتصادياً وبشرياً لم تعلّمهم أنّ التدخل الروسي المباشر في سوريا لن تكون نتائجه كما يرجون خاصة وأنّ الروس لا يأبهون على ما يبدو بالخسائر البشرية وقيمة الإنسان عندهم أقل بكثير من قيمته في الولايات المتحدة التي وضعت ثقلها في العراق بما يقارب 100 ألف جندي لقمع تمرد صغير لا يقاس بما يجري في سوريا.

فهل ستستطيع روسيا – المخنوقة من هبوط أسعار النفط – أن تصمد طويلاً في سوريا دفاعاً عن الأسد؟ أم أنّ اللعبة لا تخص سوريا، وهي مجرد حركة مؤقتة لرفع أسعار النفط ورفع سوية التوتر مع الحكومة الأمريكية لإيجاد صورة حل “مبادلة سوريا بشرق أوكرانيا” أو أضعف الإيمان الخروج من العزلة ورفع العقوبات عن حكومة بوتين!

هو فخ في مطلق الأحوال سيقع فيه العلويون في المناطق القريبة من القاعدة الروسية في الساحل السوري، وأيضاً هؤلاء الذين سينزحون من دمشق إلى اللاذقية طلباً للأمان المفقود بسبب تصاعد الأحداث في الغوطة وانتقال الصراع إلى دمشق. 

حرب بالوكالة
على إثر تلك الأحداث حذّر وزير الخارجية النمساوي، سيباستيان كورتس، من نشوب حرب بالوكالة في سوريا بين الولايات المتحدة وروسيا.

وقال كورتس في تصريح أوردته بي بي سي: “يجب الإقرار بأنّ الأسد لا يزال يسيطر على أجزاء من سوريا وعلى الجيش السوري أيضًا، ولا بدَّ من التوجه إلى طاولة المفاوضات انطلاقًا من كون عملية التفاوض لا يمكن أن تتم مع الأصدقاء فقط بل يجب أن تشمل المعارضين أيضًا” !

تعليقاً على هذا القول يبدو أن كورتس يرى بعينيه من خلف زجاج ولا يستطيع أن يسمع أو يحس لهذا تبدو له الصورة بهذا التشويش، فعن أي طاولة مفاوضات يتحدث بعد أربع سنوات من القتل والتشريد والتدمير؟ وأيّ معارضة تلك التي ستجلس على طاولة مفاوضات مع الأسد إن لم تكن أيديها والغة في الدم السوري مثله؟

قال تولستوي: “أقوى المحاربين هما الوقت والصبر.” الوقت والصبر سلاح الشعب السوري.. وسيأتي اليوم الذي
ستجرّ روسيا فيه أذيال خيبتها وتنسحب من سوريا عبر البحر كما انسحب نابليون أمام صقيع روسيا عائداً بالخيبة إلى بلاده بعد فشله في اقتحام روسيا بسبب الثلج ورفض القيصر “الكسندر الأول” الاستسلام. ليفهم الروس أنّ إنقاذ الأسد أصبح مستحيلاً، وإن كانت حبال الأمل التي يتعلقون عليها اقتراب موسم الانتخابات الرئاسية الأمريكية.
________________________

* أديبة سورية 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان