العراق من الحرب إلى الحرب

متعسف المجتمع الدولي مرة أخرى وظالمة الولايات المتحدة كعادتها، ومقهور ذلك الشعب الذي تحمل نزق كل الأطراف المتصارعة.. يتبع.
أيمن خالد*
![]() |
ليس هناك كثير من الحرج التاريخي في تحديد الحرب في العراق . وليس من الضرورة تحديد أي حرب منها. قَدرُ بعض البلدان هكذا . وهذا هو قدر العراق. ذلك لا ينفي عن بغداد اسمها الأعز (دار السلام) . ولا غضاضة على بلاد ما بين “النهرين” أن تكون في حقبة ما بلاد ما بين “النارين” .
لا نذهب أبعد من العام 1980، حيث الحرب الإيرانية العراقية، أو كما يسميها البعض حرب الخليج الأولى. هنا بدت ملامح العراق التي تتم تسوية أحداثه اليوم بمزيد من الدماء. حيث دائرة الصراع من الحدود الى القلب. هذه توطئة لأحد أطراف النزاع الدائر اليوم (إيران طبعا) التي ما نسيت تجرع السم .
لم يكن يوم 8-8-1988 نهاية حرب حقيقية بين العراق وإيران، إنما هي منعطف لمرحلة قادمة تتضمن تكسير الأضلاع ضلعا ضلعا. إذ المقصود هو العراق الوطن.
العراق من الحرب إلى الحرب.
بوصلة العراق هذه المرة تتجه خطأ لابتلاع دولة عربية في جنح الليل ليصبح وضح النهار حلماً بعد حرب فتحت أبواب جهنم على أرض الحضارات، ليدخل العراق في أزمة مع أطراف صراع كوني هذه المرة ليس كسابقاتها. في العام 1990، العلامة الفارقة في تاريخ المنطقة، فيها انقلبت نظرية الثابت والمتغير إلى نظرية ( الكل متغير) خصوصا مع ظهور عالم القطبية الواحدة ولا توازن دولي معها. انتهت الحرب الباردة والاتحاد السوفيتي في ذمة التاريخ والعراق سياسيا واقتصاديا في مهب الريح .
العراق من الحرب إلى الحرب.
لا أحد بريء من التهمة، فمقدمات الاشياء تكشفها النتائج . إلى ذلك سارعت الولايات المتحدة الامريكية بحلمها الإمبراطوري للانقضاض على العراق، بما سمي بحرب الخليج الثانية، حاملة معها قرارات الامم المتحدة ومجلس الامن والتفويض الاقليمي ليدخل العراق المثخن بجراحه، مرحلة المواجهة الصعبة عسكريا وسياسيا واقتصاديا (1991 – 2003) يدشن العالم عقوبة الحصار الاقتصادي ضد بلد لثلاث عشرة سنة تجلت فيها نظرية التعسف والظلم في أعلى صورها، فقدَ فيها العراق من أطفاله جوعا ومرضا بسبب الحصار ما يقارب نصف المليون طفل عدا نسبة الوفيات الاخرى من فئات الشعب.
العراق من الحرب إلى الحرب.
متعسف المجتمع الدولي مرة أخرى وظالمة الولايات المتحدة كعادتها، ومقهور ذلك الشعب الذي تحمل نزق كل الأطراف المتصارعة، وبعد طول عناء وألم وحصار وجفاء كان شعبا مقاتلا عن أرضه. هذه عادات الشعب العراقي الذي لم يدرك في حينها أنه سيقاتل طويلا، فالأمر لا يقف عند العام 2003 حتى وإن احتُل البلد ودُمرت قواعده وقوائمه وسقوفه .
العراق من الحرب إلى الحرب.
لم تنته الحرب حتى وإن أُسقط النظام ودمر البلد . فبعد ثلاثة أسابيع من احتلال العراق من قبل أمريكا كان حديث الرئيس الأمريكي بوش الابن من على ظهر حاملة الطائرات إبراهام لنكولن قبالة ساحل كاليفورنيا يصف الحرب على العراق بأنها مجرد (نصر واحد) والحملة على الإرهاب مستمرة. إذاً الحرب مستمرة والإرهاب ليس له تعريف، وأمريكا تمتنع عن تحديد نهاية الحرب كي لا تقع في مرحلة كشف الحسابات، وكل من يعارضها تخلع على رأسه قبعة الإرهاب .
بالمقابل يرى العراقيون أن الحرب مستمرة فعلا، من جانب أن المقاومة فعل مشروع بمواجهة كل احتلال . وأمريكا دولة محتلة بموجب قرارات المنظمة الدولية. وما دام فعل المقاومة مشروعا لأهل البلد الذي وقع عليه فعل الاحتلال ((فلا دفاع شرعي ضد دفاع شرعي ولا مقاومة ضد فعل مباح)) والدفاع الشرعي وإباحة المقاومة للعراقيين وحدهم .
هذا لا يمنع أمريكا التي ساست العالم بالعصا الغليظة قدرتها على خرق القوانين، وهذه لعبتها، فالمشروع كوني ولا يتوقف عند حدود العراق، لذلك اعتبرت المقاومة وحركات التحرر إرهاباً. ولم يعد هناك من يختلف معها على التوصيف والتعريف، حتى وإن أُسقط مفهوم المقاومة وحركات التحرر من القانون الدولي، خصوصا وأن روسيا امتهنت اللعبة واستغلتها في التعامل مع الملف السوري وأصبح الطريق الأسهل لإسقاط الخصم هو القدرة على اقناع الرأي العام بأن المقابل إرهابي.
العراق من الحرب إلى الحرب .
لا أحد يريد إنهاء الحرب فمصانع السلاح الأمريكية والغربية والروسية شهيتها مفتوحة وأزمات الأخلاق والمال تضرب العالم طولا وعرضا وساحة القتال عن بُعد وعن قرب متوفرة على أرض العرب ومشاريع الهيمنة والتوسع وفرض الامبراطوريات تتصارع مع بعضها .
وعود على بدء، حرب داخلية عراقية كمنتج لحالة الاحتلال وتغيير القوانين وتهديم البنية الاجتماعية والديمغرافية تصاحبها حرب اقليمية بالوكالة والشراكة وحرب عالمية على النفوذ والطاقة.
العراق من الحرب إلى الحرب.
وأكثرها مرارة الحرب التي فُقدت فيها معايير التمييز، حرب داخلية بطعم الرعب تسقط فيها المدن بساعات، وفيما يشبه الحكاية، جيوش وميليشيات وطائرات متعددة الجنسية وجبهة أخرى من المجهول تسمى (داعش) الكل يحاربها والكل متهم بها، واللاعب الأساسي في المشهد العراقي يرى أن النصر لا يتحقق بأقل من عشرين عاما وفي أحسن نتائج هذا التهديد إسقاط وحدة العراق هذا رأي الرئيس الأمريكي وأعوانه من دائرة صنع القرار،أمر أعجب من العجيب. وجملة من التساؤلات.
هل يتمكن العراقيون من استلهام لحظة الوعي الحقيقي ليكونوا طرفا في الحسم خصوصا وأن الشارع العراقي اليوم يتكلم بلغة الانتفاضة؟ أم أن الأطراف الدولية والإقليمية المهيمنة وعملاءهم بالمنطقة الخضراء سيئة الصيت سيركبون الموجة ويوجهون المركب إلى مزيد من الحرب المفضية إلى حرب أخرى؟
نعتقد أن العراق من الحرب إلى الحرب. لأن التفكيك حالة ممكنة بينما إعادة التركيب أمر قد يستعصي، إلى أن يستلهم الجميع لحظة الوعي الحقيقي.
_______________________
*كاتب وإعلامي عراقي
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
