ابتسام تريسي تكتب: من أنطاكية: حرب بلا دماء

ابتسام تريسي*

على شاطئ العاصي في أنطاكية يمكنك أن ترى بوضوح ذلك السكون المريب للمياه المرتفعة، ليس بسبب ارتفاع منسوب الأمطار هذا العام؛ بل بسبب الحرب وظروفها المأساوية في سوريا! من المكان نفسه قبل سنتين كنت أراقب مجرى النهر الذي تحولت مياهه الضحلة في الربيع إلى لون أقرب إلى السواد فقد كان الشتاء بخيلاً بالمطر، وسماء أنطاكية تغص بالغمام الرمادي لكثرة دخان مدافئ الحطب.

تركيا بلد غني بالمياه “بحار وأنهار وبحيرات وسدود” وقد عجزت السدود هذا العام عن استيعاب المياه المتدفقة من نهر الفرات عبر الأراضي السورية، فحوّلت الحكومة التركية تلك المياه إلى بحيراتها، ضاربة عرض الحائط بكلّ الاتفاقات والقوانين الدولية التي تنص على حصص معينة من كلِّ نهر لدولة المنبع ودول المجرى ودولة المصب..

سكون المياه المريب على العاصي له أسبابه، فالجارة تركيا تخزّن المياه القادمة إلى سوريا في مجرى النهر! والمعروف أنّ العاصي حين يصل سهل الغاب وفي دركوش تحديداً تصبح مياهه أكثر كثافة وأنقى بسبب الينابيع العذبة التي ترفده خاصة نبع عين الزرقا.

ليس العاصي وحده، وليست المرة الأولى التي تستخدم فيها تركيا هذا الأسلوب في احتكار المياه على حساب الجارة والأخت سوريا، بل ذلك يعود إلى تاريخ طويل أول من عانى منه سكّان مدينة حلب حين حوّلت تركيا مجرى نهر قويق وقطعته عن حلب وأصبح نهراً للمياه الآسنة ومنبعاً للأمراض التي تنتشر بسبب البعوض وقد حمل أهل حلب منها مرضاً خاصاً بهم “اللشمانيا” يسميه العوام “حبة السنة، أو حبة حلب” وآثار هذه الحبة لا يمكن استئصالها بالجراحة؛ لأنّها تحفر عميقاً تحت الجلد.

كما حوّلت مجرى نهر “جغجغ” وقطعت المياه عن مدينة القامشلي.

أما الخطر الأكبر فهو القادم من احتكار مياه نهر الفرات.. إذ بلغ العجز المائي لنهر الفرات قبل عام /2000/  ثلاثة عشر مليار متر مكعب. وقد نبّه مركز الدراسات الاستراتيجية والاقتصادية في واشنطن إلى أن قضية المياه وليس النفط ستكون مهيمنة على الشرق الأوسط بعد عام 2000 .

بدأت أزمة المياه بين الدولتين بعد انفصال سوريا عن الدولة العثمانية، وضم اللواء ومقاطعة هاتاي إلى تركيا. وتفاقمت الأزمة حين بدأ مشروع تركيا المائي في المناطق التي تسكنها أغلبية كردية (مشروع تطوير جنوب الأناضول “غاب”) ضم المشروع 21 سداً مائياً، و17 محطة كهربائية خفّضت التدفق المائي إلى سوريا وخلقت مشكلة حقيقية بين البلدين على الرغم من اتفاقية المياه الموقعة بينهما في دمشق 1987 التي تنص على تدفق مائي مقداره 500 متر مكعب في الثانية.

ارتبطت المشكلة المائية بمشكلة تمرد الأكراد بقيادة حزب العمال الكردستاني الانفصالي المدعوم آنذاك من حافظ الأسد، وجدت تركيا فرصتها الذهبية،  فكانت ثالثة الأثافي “مشكلة اللواء السليب، والمشكلة الكردية، ومشكلة المياه”.  بعد انتهاء تركيا من مشروعها الضخم تحكمت بتدفق الفرات، وامتلكت ورقة ضغط على العراق وسوريا تشهرها إثر كل مشكلة أو خلاف. وهكذا طالبت تركيا سوريا بالتنازل عن اللواء، وعدم السماح للأحزاب الكردية بالتحرك في أراضيها، وعقد اتفاقية للمياه تشمل نهر العاصي! لكن بعد 16 اجتماعاً فشلت المحادثات ولم توقع الاتفاقية!

وفي الوقت نفسه عرضت تركيا على إسرائيل في إطار مشروع السلام بيعها 500 مليون متر مكعب من المياه!

السوريون يدركون جيداً أهمية مياه الفرات في ظلّ شح مياه الأمطار، والتبخر الشديد واختلاف معدلات الهطول وتوزيعها الجغرافي، وجفاف مياه “الخابور” وبعض الأنهار الرافدة.

وقد أقفلت تركيا النهر عام 1990 بحجة ملء سد أتاتورك، وقالت إن الأمر ليس سياسياً.. لكنها استخدمته للضغط على سوريا والعراق من أجل قضية الأكراد. وقد أدى القطع إلى توقف سبع “توربينات” _من أصل ثمانية_ لإنتاج الطاقة الكهربائية وتسبب بأضرار جسيمة في الثروة السمكية. التحرك العربي عام 1995 لإيقاف مشروع تركيا بناء سد بيرجيك على الفرات، لم يأتِ بنتيجة بل جعل تركيا تخفض تدفق المياه، وتدفع مياها ملوثة إلى الأراضي السورية!

رفض تركيا التوقيع على الاتفاقية الدولية حول قانون استخدام المياه، مع أن القانون اعتمد من الجمعية العامة للأمم المتحدة، مؤشر إلى أنّها لا تريد القبول بحل مشكلة الفرات حسب الأنظمة والقوانين الدولية للأنهار، بل تسعى لحل المشكلة عبر قرار سياسي؛ لأنّ الأتراك يعتبرون المياه ثروة نادرة جداً، ويعتبرونها مصدراً من مصادر قوتهم في العالم، خاصة وأنّ الأتراك يعانون من فائض في اليد العاملة تلقى رفضاً أوربياً حسب ما جاء في رواية “ثلج” للكاتب التركي أورهان باموك الحائز على نوبل للآداب والذي تحدث عن مشكلة العمال الأتراك في أوربا، وطبيعة الحياة القاسية في تركيا التي يعاني قسم كبير من شبابها من البطالة والفقر.

تركيا تعتبر المياه سلاحاً قوياً  “وهي على حق” فها هي تستخدمه الآن ضدّ السوريين الغافلين عن قضية المياه بسبب البراميل المتفجرة التي يلقيها عليهم بشّار الأسد، وقتال الفصائل المسلحة وانتشار المجاعة والحصار … والعطش! الشعب السوري يموت عطشاً أيضاً .. حلب بالتحديد تموت عطشاً وأخوة الدم والتراب جيراننا الأتراك يستغلون الموت السوري بأشكاله كلها ليحصلوا على أكبر قدر من السلاح المائي، بعد أن حصلوا على نسبة كبيرة من معامل حلب بعد تفكيكها ونقلها. إنها المصلحة القومية العليا التي لا تعترف، وهي تخطو إلى الأمام، بما نتشدق به من مثل وقيم وأخلاق، ولا ترى ما يراه بعض الأتراك أنّ السوريين هم “المهاجرين” والأتراك “الأنصار”!

 ___________________

*روائية سورية

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان