عصام تليمة يكتب: لا قداسة لفرد أو رأي في الإسلام

عندما أسس حسن البنا جماعة الإخوان، قال بوضوح: نحن جماعة من المسلمين، ولسنا جماعة المسلمين. وكان يحضر لقاء الثلاثاء له عدد من علماء الأزهر، وقام بعضهم بنقده، وقام بتخصيص صفحة ثابتة في مجلة الإخوان المسلمين باسم: (صفحة النقد). يتبع

عصام تليمة*
جاء الإسلام بتوحيد الله، وعبادته وحده، ورفض بشكل قاطع أي تقديس لفرد أو رأي، مهما كان فضل صاحبه، ومهما كان قربه من الله، وقطع كل طريق يؤدي بالناس إلى تقديس أحد مهما كان صلاحه، وكان درس تحويل حب الناس إلى خمسة صالحين، قام أحد الناس بصنع تماثيل لهم تجعلهم يذكرونهم بالخير، فمرت السنوات ونسوا أنها مجرد ذكرى لهم، فتحولوا لعبادتهم، ومن هنا نشأت عبادة الأصنام في التاريخ البشري.

ولذا جاء الإسلام ليهدم كل مظهر يؤدي إلى تقديس الناس، أو إلى أي لون من عبادتهم، بقصد أو بدون قصد، فرأينا القرآن الكريم يحرص على بيان بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم، (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ)، ورأيناه صلى الله عليه وسلم حريصا على ترسيخ هذا المفهوم في نفوس المسلمين، فقال: “لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد الله ورسوله”، وهو ما قام بفعله عمر بن الخطاب، حين رأى بعض الناس يتبركون بالشجرة التي تمت تحتها بيعة الرضوان على عهد رسول الله صلى الله عليهم، فقام بقطعها، ووقف يخاطب الحجر الأسود قائلا: والله إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك. ولما رأى الناس كادت تُفتن بخالد بن الوليد وانتصاراته، ولم لا وهو سيف الله المسلول، فقام بعزله، مخافة أن يتسرب إلى الناس ما تسرب لغيرهم في أديان أخرى، من التقديس.

وعلى هذا الدرب سار أئمة الفقه الإسلامي العظام، فرأينا الإمام الشافعي تلميذ الإمام مالك، والذي ظل ملازما فترة طويلة له، ينهل من علمه، ولا ينسى فضله عليه، ولكنه لما رأى البعض يقدس مالكا، ويتبرك البعض ببعض ملابسه وآثاره، انتفض الرجل انتصارا لدينه وعقيدته، فكتب في (الخلاف مع مالك)، وما دفعه لذلك إلا ما رآه من محاولة إسباغ هالة من القداسة على فكر وعلم بشر يصيب ويخطئ، وهو نفسه مالك أستاذه القائل: كل يؤخذ منه ويترك، إلا صاحب هذا القبر، وأشار إلى قبر النبي صى الله عليه وسلم.

وفي تاريخنا الإسلامي المعاصر، عندما نشأت الجماعات الإسلامية المعاصرة، حرص مؤسسو الجماعات على غرس هذا المعنى في نفوس الجميع، أنه لا قداسة لأشخاصهم، ولا لأفكارهم، فرأينا نقاشا طويلا بين الشيخين الكبيرين: محمد حامد الفقي، وأحمد محمد شاكر، وكلاهما من علماء السلفية في مصر، وهما صديقان عزيزان، ومن قرأ (جمهرة مقالات أحمد شاكر) وجد عددا من المقالات التي رد فيها شاكر على صديقه الفقي.

وهو ما قام بتأصيله حسن البنا عندما أسس جماعة الإخوان، فقال بوضوح: نحن جماعة من المسلمين، ولسنا جماعة المسلمين. وكان يحضر لقاء الثلاثاء له عدد من علماء الأزهر، وقام بعضهم بنقده، وقام بتخصيص صفحة ثابتة في مجلة الإخوان المسلمين باسم: (صفحة النقد)، وفي كل مجلة أنشأها حافظ على هذا السمت، وهو منع أي لون من التقديس له، أو لجماعته.

وعندما جاءت محنة التكفير في السجون، قامت الجماعة بكتابة كتاب (دعاة لا قضاة)، وفيه جزء كبير رد على أفكار الشهيد سيد قطب، والعلامة المودودي، وهذا لا يمنع فضلهما وعلمهما، ولكن الحق أحق أن يتبع.

وكذلك في تسعينيات القرن الماضي، رأت الجماعة أن هناك أفكارا لحسن البنا، لم تعد تناسب الواقع الدعوي المعيش، فقامت بتغييرها، وهو إثبات عملي لهذا المبدأ: أن لا قداسة لفرد ولا رأي في الإسلام.

وهذا هو الفهم الواعي للإسلام، وهو: تحطيم كل صنم يصنعه الناس، أو هالة من التقديس، حول شخص، أو فكر، مهما كان فضله، أو تاريخه، فهو يظل في إطار بشريته التي تصيب وتخطئ، وأن يكون ذلك عمليا، لا أن نؤمن بذلك نظريا، وعند التطبيق نقدس ونعظم دون أن ندري، وتلك كارثة الكوارث

_________________________

* من علماء الأزهر

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان