سليم عزوز يكتب: مصر في مرحلة «النائب الاستعراضي»!

سليم عزوز*

لا أعرف من هم النواب الأربعون، في برلمان عبد الفتاح السيسي، الذين تقدموا بطلب بوقف بث الجلسات على الهواء مباشرة، فحرموا المصريين من المصدر الوحيد للبهجة الذي يتمثل في مشاهدة هذا السيرك المنصوب والتمتع بـ «الفُرجة» على أسوأ برلمان عرفته مصر في تاريخها منذ تأسيس مجلس شورى النواب في سنة 1866، والذي مثل تطويراً للحياة النيابية التي بدأها محمد علي باشا في سنة 1829.
رئيس برلمان السيسي، أعلن أنه تلقى طلباً من النواب الأربعين، لم يعلن أسماءهم، يطلبون وقف البث المباشر للجلسات، وعليه عرض الأمر على المجلس ليحصل على الموافقة بوقف البث فكان القرار: موافقة. بعد أن قضينا يوماً حافلاً مع الجلسة الافتتاحية لهذا التجمع المسمى برلماناً، وأعترف أنني بدأت يومي متنقلاً بين القناة الأولى المصرية، وقناة النيل للأخبار، حتى لا تفوتني لقطة واحدة لهذا التجمع البشري، الذي تحول إلى مهرجان فكاهي، تجاوز في ذلك الأدوار التي قام بها «عادل إمام» في أعماله، وهو يجسد «النائب المسخرة»، ومن الواضح أنه لم يصل لهذه الدرجة من فكاهة الواقع، التي جعلتنا وكأننا أمام مسرحية تعرض على المسرح العائم!
في الدعاية التقليدية للمرشحين في الانتخابات النيابية، ترفع عبارة «خير من يمثلكم»، والتي جرى تحويرها من قبل شعب ساخر بالفطرة، إلى «خير من يمثلكم ويمثل عليكم ويمثل بكم»، فهل صحيح أن الذين شاهدهم العالم كله هم خير من يمثل المصريين؟! في ظروف طبيعية، كان يمكن أن يستغل هذا الفاصل من قبل الدول التي تأخذ بتعيين أعضاء مجالسها التشريعية، في التأكيد على سلامة موقفها، وتقديم الدليل على أن البرلمان المصري منتخب ومع هذا ها هم من أفرزتهم الانتخابات في البلد الأعرق نيابياً. لكن الجميع يعرفون «الفولة»، فهذا برلمان الإنقلاب العسكري، الذي جرى تخلقيه في جهاز الاستخبارات، واختيار نوابه بالواحد، فهو نتاج حمل خارج الرحم، وربما أقرب لأطفال الأنابيب، فجاء أداؤهم أقرب لمسرحية «مدرسة المشاغبين»!
الوقار الشكلي
في الواقع فإن هذه البداية المبكرة لمصر في الحياة النيابية، لا تمثل تراكماً أو قيمة مضافة، فالبرلمان المصري لم يكن يوماً نتاج هذه الخبرة، لأن الحياة السياسية كلها انتهت بحركة ضباط الجيش في سنة 1952، وانتهت معها تجربة التعددية الحزبية والتجربة البرلمانية، وكان يمكن البناء عليهما، لكن ظل الوقار الشكلي قائماً، بيد أننا الآن أمام برلمان يفتقد للشكل وللمضمون، لأنه ابن المرحلة، التي يحكم فيها شخص واحد يفتقد لمقومات الحكم، ولمهارات القائد، ولسلوك الزعيم، وهو الذي أجل تشكيل البرلمان، عن المقرر بالنص الدستوري أكثر من عام ونصف العام، فقد كان يتمخض طوال هذه الفترة، وفي النهاية ولد فأراً ميتاً!
بعض أنصار الانقلاب دافعوا عن برلمانه بترويج فيديو خاص بتطاول وزير الداخلية الأسبق زكي بدر على المعارضة والاعتداء عليه من قبل النائب طلعت رسلان، وهي جلسة شهيرة، لكن هذا التجاوز ينسب للسلطة التي اختارت مثل هذا الرجل وزيراً، وقد كنا أمام برلمان المعارضة فيه حاضرة بنسبة كبيرة، وكان نواب الحزب الحاكم في مجملهم هم وجهاء دوائرهم، وإن لم يكونوا على المستوى المطلوب فقد كانوا يعرفون معنى أن يكونوا في برلمان، وليس في سيرك تديره الراحلة «الحاجة محاسن الحلو»!.
للهرج والمرج فقد بدا أننا أمام «سوق الجمال» في إمبابة، ولم نكن أمام برلمان، وعندما كانت الكاميرا تحط على فريق من الجالسين، كنا نشاهد أداء منفلتاً، ولكم أضحكنا هذا «النائب»، الذي لم يتوقف طوال الجلسة عن الوقوف كلما اقتربت الكاميرا منه ليحيي بيده من يهمه الأمر، ولا نعرف إن كان يستهدف بذلك من يعرفونه، أم «الأنجال» الذين يشاهدونه في هذه المرحلة التاريخية والدقيقة من عمر الوطن!
عندما تكون الكاميرا من الخلف فانه يقف مستديراً، وفي أحد الفيديوهات له وصل أعداد المشاهدين إلى أكثر من الأصوات الحقيقية التي إنتخبت «عبد الفتاح السيسي»، وقد راعني أن أحداً لم يتعرف عليه، فلم يكتب معلق اسمه، أو اسم الدائرة التي يمثلها، فهل يعقل أن يكون نكرة إلى هذا الحد؟!
العقليات الحاكمة
في «سوق الجمال»، شاهدنا نماذج كاشفة عن العقلية التي تحكم مصر، وفي الواقع أن الإنقلاب كشف لنا عن هذه العقلية التي كنا نجهلها، وقد شاهدنا اللواء محافظ السويس، وهو يعلن أن إسرائيل إذا ضربت مصر بالقنبلة النووية فسوف ترتد إليها بفضل الرياح الشمالية الغربية، وعليه قرر أننا محظوظون فالرياح عندنا شمالية غربية وليست شمالية فقط. ومن قبله قال جنرال آخر عتيق إن سد النهضة سيهدم من تلقاء نفسه، واقترح جنرال آخر لتلافي مخاطر السد أن نزرع «موزاً»، وأوشك أن يدعو إلى التغلب عليه بالأعمال السفلية، ولأن معلومات إستخباراتية جبارة تفيد أن الرئيس الأثيوبي مقبل على خطوة جريئة وبالزواج مرة ثانية فيمكن أن نربطه في «ليلة الدخلة»!
عقليات مبهجة، عندما تبدت للناظرين بعد الإنقلاب العسكري، وقد دفعتني لأن أكون أكثر تمسكاً بصوفيتي القديمة، فعند أهل الحقيقة لا أهل الشريعة يمكن أن تفهم الواقع المصري، والمتصوفة يقولون إن مصر محمية ببركة أولياء الله الصالحين، وعندما نقف على أن هؤلاء هو النموذج لما كنا نظن أنهم «حماة مصر»، فالمؤكد أنها محمية بغيرهم، والمؤكد أنها محمية أيضاً ببركة دعاء الوالدين!
وما دمنا قد ذكرنا «أهل الله» فلا يمكن أن أمر مرور الكرام على ما توصلت إليه وأنا أشاهد النائب المستشار «سري صيام» رئيس مجلس القضاء الأعلى السابق، وهو يفحم رئيس البرلمان المعروف اسمه قبل اختياره بأسابيع وهو الدكتور «علي عبد العال»، في موضوع اللائحة، فقد توصلت وفق منهج المتصوفة أن السيسي رفع عنه «الستر الإلهي»! تكلم «سري صيام» برصانة ووعي، وعبارات منضبطة، وبعربية سليمة، وهي الرصانة المفتقدة، والوعي المفقود، في حالة «عبد العال»، فضلاً عن أن أخطاءه النحوية جعلت سيبويه يتقلب في تربته!
«صيام» لا يختلف عن «عبد العال» في انحيازه للانقلاب العسكري، ويمكن أن يقوم بدور «ترزي القوانين» المأمول لقائد الانقلاب، ولو كان السيسي مشمولاً بـ «الستر الإلهي» لاختاره لرئاسة البرلمان، لأنه هنا كان سيحافظ على الشكل في ظل غياب المضمون، وهو الذي ظل مبارك يحافظ عليه لفترة في اختياراته فيختار «رفعت المحجوب» رئيساً لبرلمانه، بل إنه عندما هبط في الاختيار وأراد موظفاً كان «فتحي سرور»، وهو عمدة في محيطه المهني، وكتبه في القانون الجنائي هي مرجع عند أهل القانون، بيد أن الانجاز القانوني المهم لـ «عبد العال» هو كما أذيع وضع الدستور الأثيوبي، ويبدو أن هذا هو «بيت القصيد»، و»مربط الفرس»، فعن طريقه، يمكن توصيل السحر الأسود للرئيس الأثيوبي، وعندما يمر عليه، يتحقق المراد، ليكون شرطنا «فك العمل» مقابل «هدم السد»!
ولا أخفي أنني قضيت فترة طويلة أقدح زناد ذهني لمحاولة تذكر اسم «علي عبد العال»، فهل يعقل أن يكون أستاذاً مرموقاً في القانون، ولا أعرفه؟ وانتهيت في النهاية إلى أن القيمة لا تعني النجومية، وأن أساتذة القانون المعروفين في المجال الصحفي هم في جامعة القاهرة، ولم نكن نعرف من «حقوق» عين شمس التي يدرس فيها عبد العال، سوى قلة على رأسهم الراحل «سليمان الطماوي»، والدكتور رؤوف عبيد، والذي كان عالماً في تخصصه وهو القانون الجنائي، لكن كان له باع طويل في التصوف والدروشة، وهو من كان يذهب إليه قادة الدولة في المرحلة الناصرية في جلسات تحضير الأرواح، التي كتب عنها محمد حسنين هيكل ست مقالات، من باب الهجوم انحيازاً للسادات في معركته مع رجال عبد الناصر!
لقد تبين أن العيب ليس في ذاكرتي، فعمر «على عبد العال» كأستاذ للقانون لا يتجاوز الست سنوات متقطعة، فقد عمل مستشاراً ثقافياً في السفارة المصرية في باريس، وموظفاً في الديوان الأميري الكويتي لثماني عشرة سنة!
اختيارات السيسي
ونوعية الموظف هي من يريدها السيسي، فلا يعجبه من لديهم ملكات إبداعية ولو كانت ستستخدم لصالحه، أو من فيه وقار الشكل ورصانة الأداء، فهو لا يريد أحداً بارزاً، كما أنه ضد كل من له مرجعية سياسية ولو كان من المنحازين له، فالمطلوب هو تجريف مصر وتقزيمها لتكون في قامته، ولهذا شاهدنا الفاصل المسرحي المبهج، ولم يجد أنصار السيسي ما يتفاخرون به إلا جمال النائبات، فهذه حسناء البرلمان، وهذه ملكة جماله، وهذه عنوان الرقة فيه، وجميعهن «مُزز»، ولا تعرف ما اذا كانوا يصفون نائبات في برلمان، أم ممثلات في مهرجان القاهرة السينمائي!
«والذي زاد وغطى»، هو الحوار الذي دار عن انتظار النواب لوجبات طعام مجانية، ولم يكونوا ينتبهون إلى أنهم على الهواء مباشرة، وأن الميكروفون مفتوح، ليذكروننا بالشيخ حسني الضرير في فيلم «الكيت كات»، عندما فضح الجميع وهو يتحدث في العزاء بينما مكبر الصوت ينقل ما يقول لكل المنطقة!
لقد نكدوا علينا بقرار وقف بث الجلسات على الهواء، وحرمونا من مجال المتعة الوحيد لنا، والحجة المعروفة أن أداء النواب يمثل فضيحة وينتقص من قيمة مجلس النواب، وإن كان المجلس أرجع السبب إلى الحرص على عدم انشغال النواب بالاستعراض أمام الكاميرات، وأمامهم مهام يريدون انجازها في وقت قصير، فكانوا كمن جاء يكحلها فأصابها بالعمى، فهل النائب الاستعراضي يصلح لأن يكون نائباً؟ لقد عرفنا الفنان الاستعراضي، ولكن هذه المرة الأولى التي يضاف فيها للقاموس هذا المصطلح، ليصبح الوضع متسقاً مع وصف السيرك!
لم تخطئ القناة التلفزيونية التي عرضت مبلغاً بدا كبيراً مقابل البث الحصري لجلسات مجلس النواب وقبل انعقاد جلساته فقد كان الجميع يتوقعون هذا الأداء المبهج القادر على إحالة كل فناني الكوميديا للتقاعد.
إنه فاصل من فواصل الإنقلاب العسكري في مصر.

_________________________________

*صحفي مصري

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان