ممدوح الولي يكتب: الأداء الاقتصادي للمجلس العسكري

لم يحظ الأداء الاقتصادي للمجلس العسكري باهتمام كبير ، رغم حدوث أخطاء اقتصادية جسيمة مازال الاقتصاد يدفع ثمنها حتى اليوم أول تلك الأمور تبديد حوالى 20 مليار دولار من احتياطيات العملات الأجنبية
ممدوح الولي*
![]() |
عادة ما يركز النشطاء عند ذكر فترة حكم المجلس العسكري لمصر ، بعد تنحى الرئيس مبارك والتي استمرت حوالى 17 شهرا ، على الانتهاكات التي جرت في شارع محمد محمود وشارع مجلس الوزراء وماسبيرو وغيرها ، ودعم المجلس لظهور عشرات الائتلافات لتشتيت جهد الثوار ، ولم يحظ الأداء الاقتصادي للمجلس العسكري باهتمام كبير ، رغم حدوث أخطاء اقتصادية جسيمة مازال الاقتصاد يدفع ثمنها حتى اليوم .
أول تلك الأمور تبديد حوالى 20 مليار دولار من احتياطيات العملات الأجنبية، لدى البنك المركزي خلال 14 شهرا ، وهى الاحتياطات التي كونها مبارك خلال سبع سنوات حتى بلغت 36 مليار دولار بنهاية عام 2010 ، لتتآكل تلك الاحتياطيات بشكل شهري مستمر ، منذ فبراير 2011 وحتى مارس 2012 حين بلغت 15 مليار دولار ، وأصبحت لا تكفى سوى لتغطية قيمة واردات لثلاثة أشهر فقط .
وكانت فترة المجلس العسكري قد شهدت تراجعا لموارد السياحة والاستثمار الأجنبي والصادرات وإيرادات الخدمات الأخرى بخلاف النقل والسياحة ، وخروج الاستثمارات الأجنبية المباشرة والتي بلغت خلال عام ونصف العام 12 مليار دولار، وتحول استثمارات الأجانب بالبورصة الى تدفق سلبى للخارج ، بلغ أكثر من 12 مليار دولار ، وبلوغ عوائد استثمارات الأجانب بمصر خلال العام والنصف عام، أكثر من عشرة مليارات من الدولارات قاموا بتحويلها للخارج ، وصادرات سلعية تتجه للانخفاض وواردات سلعية تتجه للارتفاع .
ورغم تحسن ايرادات تحويلات المصريين بالخارج التي نجمت عن تزايد مشاعر الانتماء للوطن بعد الثورة المجيدة ، واستمرار دخل قناة السويس بعد تهديد الولايات المتحدة بأهمية استمرار الملاحة دون تعطل ، واستمرار ايرادات خدمات النقل، إلا أن أجمالي المدفوعات بالعملات الأجنبية خلال العام والنصف بلغت حوالى 134 مليار دولار ، في حين بلغت حصيلة موارد النقد الأجنبي 112 مليار دولار فقط ، ليسفر الميزان الكلى للمدفوعات عن عجز غير مسبوق بلغ حوالى 22 مليار دولار .
ورغم استخدام المجلس العسكري قروض أجنبية بلغت حوالى 12.5 مليار دولار ، سدد منها أكثر من عشر مليارات لقروض وودائع مسبقة ، وحصوله خلال العام والنصف على معونات خارجية بلغت 1.2 مليار دولار ، إلا أن قيمة العجز كانت كبيرة ، فقام باستهلاك معظم الاحتياطيات من العملات الأجنبية لدى البنك المركزي .
ولم يلجا المجلس العسكري الى أسلوب خفض قيمة الجنيه المصري لتخفيف الضغط على الموارد الدولارية ، حيث تسلم الأمور وسعر صرف الدولار 2.79 جنيه ، وترك السلطة في نهاي يونيو 2012 ، وسعر الصرف الرسمي 6.03 جنيهات بزيادة 4% فقط .
مما أدى من ناحية أخرى الى استنزاف جانب كبير من العملات الأجنبية بالجهاز المصرفي ، لينخفض صافى قيمتها من 49.9 مليار دولار عندما استلم السلطة من مبارك ، الى 26 مليار دولار عندما سلم السلطة للدكتور مرسى ، بنقص حوالى 24مليار دولارا خلال عام ونصف .
ومع استمرار عجز الموازنة خلال فترة توليه ، لجأ المجلس العسكري الى كل الخيارات ، من اقتراض من البنوك ، ومن البنك المركزي ، وقام بإصدار أذون خزانة وسندات خزانة ، مما زاد من أرصدة الدين العام المحلى بنحو 276 مليار جنيه خلال العام والنصف ، بمتوسط شهري 15 مليار جنيه ، الى جانب زيادة النقد المصدر بنحو 51 مليار جنيه .
وزادت نسبة البطالة بنهاية فترة المجلس العسكري الى 6ر12 % ، وتعددت الاحتجاجات الفئوية وانخفض التصنيف الائتماني لمصر عدة مرات ، مما صعب مهمة المستوردين والمنتجين ، وزاحم الجيش القطاع الخاص في الكثير من الأنشطة الاقتصادية ، مما يجعل المنافسة صعبة في ظل تدنى مكافآت المجندين بالمقارنة لأجور العمالة الخاصة ، وعدم الالتزام بدفع الضرائب وسهولة الحصول على المساحات الكبيرة من الأراضي وبأماكن متميزة .
ولعل توسع محطات تموين السيارات خير مثال على المساحات الضخمة التي تشغلها تلك المحطات ، والمداخل الخاصة بها وهى أمور من الصعب أن يجاريها القطاع الخاص بها ، وتكرر ذلك مع منافذ بيع السلع الغذائية .
وسارت الأمور خلال فترة المجلس العسكري بما يشبه تسيير الأعمال ، بما يعنى عدم الدخول في أي ملف اقتصادي بشكل مؤثر ، مع تأجيل حسم القضايا لمن يتولى بعدهم ، مما ترك ميراثا متخما من القروض الخارجية والداخلية والبطالة والشركات المتعثرة ، والمشاكل المتعددة بمناخ الاستثمار وأبرزها مزاحمة الحكومة للقطاع الخاص على قروض البنوك ، ونقص الأراضي الصناعية والاضطرابات العمالية وصعوبات التراخيص ومشاكل الطاقة .
وتكررت نفس الأساليب مع عودة الجيش لتولى السلطة بعد الثالث من يوليو 2013 ، بالاستمرار بالمزيد من الاقتراض الداخلي والخارجي ، وترحيل المشكلة للأجيال القادمة ، مع المزيد من صور التدخل في النشاط الاقتصادي
والاتجاه لتأسيس شركات بالاشتراك مع أجانب ، ولم يعد الأمر مقتصرا على الجيش ، بل شاركت الشرطة أيضا بالدخول للنشاط الاقتصادي من بوابة توفير السلع الغذائية ومجال المقاولات ، وهى المجالات المعروفة فقط حتى الآن .
__________________________
*كاتب مصري وخبير اقتصادي
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
