ابتسام تريسي تكتب: الفيزياء والكيمياء تعلّمان السحر والشعوذة

ابتسام تريسي*

علاقة العلوم التطبيقية بالمناهج الدراسية كانت على درجة عالية من الاضطراب في البلاد العربية التي عانت كثيرًا في أكثر من بلد عربي حول الحكم الشرعي لتدريس المواد العلمية.

كان ذلك في الأمس البعيد، قبل أكثر من مئة سنة. اليوم ومع الهجمة المبرمجة للتفكير الداعشي عاد هذا الصراع للبروز من جديد، وكأنّنا منذ مئة عام لم نتقدم مقدار خطوة في التاريخ.

إلغاء مادة الفيزياء والكيمياء من المناهج الدراسية في بعض المناطق المحررة بحجة أنّها تعين على الشعوذة والسحر، يعيد إلى الذاكرة ذلك الشبح الأسود الذي يصرّ على البقاء خارج التاريخ، مثلما يصرّ على تدمير المنجز الإنساني لأبناء هذه المنطقة الممتد لأكثر من خمسة آلاف عام.

أوّل شيء فعله السلفيون القادمون للجهاد في سوريا من كلِّ أنحاء الأرض هو استلام إدارة المساجد وخطبة الجمعة، وأشاعوا بين الناس أنّهم لا يعرفون أصول دينهم، وأنّ جلَّ ما يفعلونه حرام حتّى طريقتهم في العبادة.. هذه البداية السيئة أدّت في النّهاية بعد تحرير المحافظة إلى إنشاء “هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” وصار عندنا ولله الحمد سيارة “حسبة” تدور في الشوارع لمراقبة التزام الناس بدينهم..

وصدرت بيانات موقعة من معظم الفصائل تحدد نوع اللباس للمرأة، وصار “الجلباب الأسود والخمار” اللباس المدرسي للبنات!

إلى هذا الحد كان الناس يتقبلون كلّ ما يفرض عليهم؛ لأنّه لا يتعارض في الأساس مع بيئتهم المحافظة والتي اشتهرت بين باقي المدن السورية ونظر إليها البعض على أنّها مثال للتخلف والجهل؛ قياساً على ملابس نسائها، وطابع حاراتها المغلق في وجه الأغراب والدخلاء.

آخر الاختراعات هو التدخل في مناهج التعليم ومنع تدريس بعض المواد وأولها التاريخ؛ لأنّ من كتبوه كانوا كاذبين وشوّهوه “في هذه لم يجانبهم الحق، فالمعروف أنّ التاريخ يكتبه المنتصرون، ويكتب طبقاً لأهواء الحكّام ورغباتهم لكن هل ما سيفرضونه أقلّ تشويهاً وكذباً؟ لا شكّ أنّه سيعبر عن وجهة نظرهم الخاصة، ولن يكون توثيقاً نزيهاً لما يحدث”.

أمّا مادّة الفلسفة، فقد منعت لأنّها تؤدي إلى الإلحاد.. فهي جدل عقيم يعلّم الشباب الشكّ والشكّ يؤدي إلى الكفر، وإلغاء المادّة يحافظ على سلامة القلب والروح من أن تمسها روح الشرك.

ومنعوا تدريس مادّة التربية الوطنية والقومية وفي هذه لم يجانبهم الحق فطوال سنين كنا ندرس مقررات وضعها حزب البعث الحاكم ونرفع شعارات لا معنى له ونحتشد لأفكار لم تكن سوى لذر الرماد في العيون. وألغوا اللغة الأجنبية لأنّها لغة الكّفار” ماذا سيتعلّم التلاميذ في سوريا؟ وكيف ستنشأ الأجيال القادمة وسط هذا التجهيل المتعمد؟ هل حقّاً هم جهلة ليفعلوا ذلك؟

إذا أردنا دراسة نموذج واحد من الإسلاميين السلفيين في المنطقة، فسنرى أنّ القضية لا تتعلّق مطلقاً بكون “القائمين” على نشر ذلك التجهيل جهلة، بل على العكس تماماً فـ “أبو مصعب السوري” أحد أمراء جبهة النصرة خريج جامعة ودارس للفيزياء والكيمياء! هذا يدفعنا للاعتقاد يقينًا أنّ أمر تجهيل النشء في سوريا ومنع تلك العلوم التي تبني الإنسان عقلياً وروحياً، سياسة مرتبطة بتوجهات دولية وإقليمية تهدف إلى تدمير الشعب السوري صاحب الحضارة العريقة وجرّه إلى مستنقع التخلف كي يبقى خاضعاً وتابعاً على مدى سنوات طويلة قادمة.

وبغض النظر عن يقيني أنّ هذه السياسة لن تنفع مطلقاً مع الشعب السوري الذي ثار لأجل كرامته وحريته، وإن استماتت الإرادات الدولية المتعددة في إدارة الصراع في سوريا لترسيخ هذا التجهيل وجعله واقعاً قائماً بقوة السلاح الذي يمتلكه المقاتلون السلفيون والذي استطاع إخراس الناشطين الذين كانوا يهتفون بموت بشّار الأسد ويلعنون روح أبيه!

هي العودة إلى القرون المظلمة.. هي الكراهية للجمال والعلم.. العلم الذي نوّر أذهان الشباب السوريين الذين غادروا سوريا هرباً من الحرب، وأبدعوا في دول الجوار ودول اللجوء إلى درجة فاجأتنا، وقبل هؤلاء شباب تركوا سوريا ليجدوا مناخًا أفضل لاختراعاتهم، ومنهم العالمة السورية دينا القتابي التي اخترعت نظام مراقبة العلامات الحيوية وحركة كبار السن، والتي كرّمها الرئيس الأمريكي.. والشاب علاء الدين السبيعي الذي اخترع مادة كيميائية تزيل الشوائب العضوية من المياه بأرخص التكاليف..

مستقبل في يد المجهول
إن بقيت هذه السياسة مسيطرة على المناطق المحررة فإنّ السوريين في تلك المناطق سيحتاجون إلى زمن طويل كي يخرجوا من جبة التخلف مطالبين بسوريا ديمقراطية حرّة تقوم على العلم الذي حضّ الرسول على طلبه، فكان العرب سبّاقون إلى الاختراعات التي مهّدت الطريق أمام الغرب للخروج من العصور المظلمة.
________________________

* روائية سورية

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان