محمد منير يكتب: الشعوذة في تأييد الحكم

ومن طرائف وعجائب الأمور أن تتجاوز الدلائل والإشارات السماوية على قدسية حكم السيسى ودعمه من السماء، حدود الوطن المصرى، وتأتى الإشارات من بلاد فارس والرافدين. يتبع

محمد منير*
فى النصف الأول من يناير/كانون الثاني 2014 وقف وزير الدفاع المصرى المشير عبد الفتاح السيسى يلقى كلمة على الشعب المصرى ركز فيها على عبارة محددة: “معركتنا القادمة تغيير مضمون الخطاب الدينى”، فى إشارة واضحة، أكدتها كلماته، إلى رفض استخدام الخطاب الدينى فى الترويج للحكم والدعاية للسياسة، وهو ما كان يتواكب مع  حالة القلق التى سادت بين المصريين من سيطرة رجال الدين على الحكم فترة حكم الرئيس الأسبق محمد مرسى والمخاوف من الحكم الثيوقراطى الذى يتعارض مع مبدأ المواطنة والحكم المدنى.

وافق الخطاب يوم “سبت” وقبلها بيوم واحد كانت خطبة الجمعة من فوق منابر معظم مساجد مصر “بتوجيه أو بغير” متفقة على الدعوة لـ”نعم للدستور”!

يومها نشرت مقالا  جاء  فيه “فى الوقت الذى يدعو فيه وزير الدفاع المصرى لتطوير مضمون الخطاب الدينى الثابت منذ 800 عام، “على حد قوله”، تروج وسائل الإعلام لمقولة عالم أزهرى:”السيسى هو طارق بن زياد العرب.. ومُقاطع الدستور آثم قلبه!”، وهو ما لم يقله الإمام محمد عبده ولا أى أزهرى من مئات السنين. إذن الموضوع ليس فى تخلف الخطاب الدينى بفعل الزمن، وإنما فى تخلفه بفعل استخدامه للترويج للحكم وللسياسة وللأشخاص.

وبعد عامين من كلمة الفريق عبد الفتاح السيسى، وزير الدفاع آنذاك، رئيس مصر حاليا، التى انتقد فيها استخدام الخطاب الدينى والغيبيات فى دعم الحكم والحاكم،  كان هذا هو الحال خلال العامين:
المستشار سعيد برغش، نائب رئيس مجلس الدولة، خلال حواره ببرنامج “صباح الخير يا مصر” مع الإعلامية سحر ناجي، المذاع على “القناة الأولى المصرية” يؤكد  أن الرئيس السيسى قام بدور عظيم فى 30 يونيو، مشيرًا إلى أن تصرفاته وأفعاله تؤكد أنه ولى من أولياء الله الصالحين.

والدكتور على جمعة، مفتى الديار المصرية السابق، يقول إن الرسول، صلى الله عليه وسلم، حرّم عصيان الحاكم في أوامره بقوله: “من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعنى، ومن عصى الأمير فقد عصانى”، وتابع “جمعة، خلال حواره في برنامج “والله أعلم” على قناة “سي بي سي”، بأن “لفظ الأمير هنا ينطبق على الرئيس عبدالفتاح السيسي وتجب طاعته وعدم عصيانه”.

ومن قبلها كانت مقولة الشيخ “جمعة” المشهورة “الله مؤيد السيسى.. وهو اللى جاب عدلى منصور رضي الله عنه”.

وقد حذر الدكتور محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف، من التظاهر فى ذكرى ثورة 25 يناير، موضحاً أن ذلك في غير مصلحة الوطن، وسيؤدى لـما وصفه بـ”توريط المصريين” في العنف والإرهاب لصالح الأعداء المتربصين، قائلا: “أمر مُحرّم شرعا”. الملاحظ هنا أن وزير الأوقاف  لم يُبدِ رأيا سياسيا فى الدعوة للتظاهر والاحتجاج، وإنما استغل موقعه الدينى فى تأكيد عدم جوازه شرعا وتحريم التظاهر دينيًّا.

أما مرصد الفتاوى التكفيرية والآراء المتشددة التابع لدار الإفتاء المصرية، فقد حذر من خطورة إطلاق اسم “الجهاد” على التظاهرات فى الخامس والعشرين من يناير الجارى.

ومن طرائف وعجائب الأمور أن تتجاوز الدلائل والإشارات السماوية على قدسية حكم السيسى ودعمه من السماء، حدود الوطن المصرى، وتأتى الإشارات من بلاد فارس والرافدين ، فيقول أحد رجال الدين الشيعة، من خلال درس مسجل بالفيديو، إنه عندما كان يدرس لتلاميذه المصطلحات الأجنبية تعرض لكلمة “نعم” وهى بالإنجليزية “YES”، وبالفرنسية “oui”، وبالإيطالية “SI”، وبالإسبانية “Si”، ويستطرد قائلاً: “صرت أقول لهم: yes .. oui، ويردون على: SI .. SI ، وأثناء ذلك دخل على أحد التلاميذ وهو يصرخ: يا ملا.. عبد الفتاح السيسى صار رئيسا لمصر، وهنا يصرخ من فى المسجد جميعا وهم يهتفون “الله أكبر”.

ولم يتأكد المدد السماوى والدلائل الإلهية على شرعية السيسى من السماء فقط، وإنما أكدتها حركة الفلك منذ قديم الأزل، حيث أكد الفلكى المشهور أحمد شاهين نبوءته التى تناولتها الفضائيات ونصها  “المشير السيسى هو صاحب مصر ورئيسها المنتظر، ومن المؤكد أنه لن يكون لأى من الشخصيات الموجودة حول الرئيس عبد الفتاح السيسى الآن وجود يذكر فى مستقبل الأيام، سوف يختفى عمرو موسى ويختفى محمود بدر وحازم عبد العظيم.. إلخ، الشخصيات الموجودة الآن على الساحة التى استنفدت الغرض من وجودها بانتهاء الانتخابات الرئاسية بفوز ساحق للمشير السيسى، فحكم المشير السيسى لن يكون أبدا حكم الفرد الواحد، وإنما حكم الجماعة. ستحيط بالسيسى وجوهٌ جديدة تماما نعتوا فى النبوءات القديمة بالسبعة الأشداء كالآتى: ذهيبى الأمر ذهيبهم، وأهل الكنانه أهلهم، فسلاحهم صاد القوى، وعدوهم ضعيف منطوى، الرعب خادمهم، واللين شاملهم، والإسرار مظهرهم، سبعه أشداء فى سر وإعماء.. وسيكون من بينهم المستشار مرتضى منصور والمستشار عدلى منصور واللواء عباس كامل، إضافة لشخصيات أخرى عسكرية وغيرها”.

ما ذكرته ليس تهريجًا وافتراء، إنما هو ما تتداوله الفضائيات المصرية لتدعم حكم السيسى وهو الحال الذى وصلت إليه البلاد من شعوذة وتخاريف وضلال رجال الدين فى ظل حكم رجل هاجم فى بداية حكمه سيطرة رجال الدين علىى السياسة.
رحم الله شيخنا عمر مكرم عندما وقف أمام الوالى العثمانى يطلب منه ترك البلاد، فكان رد الوالى بأنه مُعيّن من قبل السلطان العثمانى وخليفة المسلمين، واسترشد خورشيد بقول الله تعالى “يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم” فكان رد عمر مكرم سابقا لعصره: “إن من حق “أهل البلد” أن يعزلوا الولاة، وحتى الخليفة والسلطان إذا سار فيهم بالجور فإنهم يعزلونه ويخلعونه”.
أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم؟! 
_____________________________

*كاتب وصحفي مصري

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان