سليم عزوز يكتب: نقابة الصحفيين المصريين.. وفقه الفاضي

سليم عزوز*
لم أكن أتصور أن السادة أعضاء مجلس نقابة الصحفيين المصريين، يعانون فراغاً دفعهم لاستدعاء المقولة الشهيرة: “الفاضي يعمل قاضي”، وعليه فقد قرروا إدانة النقيب الأسبق “ممدوح الولي” في أزمة مضى عليها أكثر من ثلاث سنوات، وجاءت العقوبة هي المنع من مزاولة المهنة لمدة شهرين!
فنقابة الصحفيين تواجه تحديات جمة، في ظل سلطة خارجة على القانون، على نحو دفع بالنيابة العامة إلى توقيع عقوبات مالية في قضايا نشر، وهو أمر يمثل عدواناً على حرية الصحافة، وعلى القانون الذي ألغي الحبس الاحتياطي. والكفالات تعد بديلاً للحبس!
وقد بدا مجلس النقابة عاجزاً عن تحسين شروط السجن بالنسبة للمعتقلين من الصحفيين أعضاء النقابة، في سجون الانقلاب العسكري، بل فشل في حمل وزارة الداخلية على الاستجابة له في طلب بسيط يتمثل في إجراء جراحة للزميل “هاني صلاح الدين”، ناهيك عن عدم استطاعة المجلس نقيباً ومجلساً زيارة الصحفيين المحبوسين للاطمئنان على أحوالهم، في سابقة لم تشهدها مصر ولو في عهد مبارك. ولعل النقيب يحيى قلاش وقد كان سكرتيراً عاما للنقابة، يذكر عندما كانت النقابة ترسل غذاء يومياً للزملاء المحبوسين من جريدة “الشعب”، وهو أمر يعد مجرد طلبه الآن يدخل في باب “المزاح الثقيل”!
ولم تقتصر هذه التحديات عند هذا الحد، بل إن مجلس النقابة فشل في الدخول في اجراءات تنفيذية لبناء مدينة الصحفيين بالسادس من اكتوبر، وعضو المجلس المكلف بهذه المهمة بحكم رئاسته للجنة الإسكان، وجد له مجالاً آخر للنضال ولإثبات كرامة، من خلال تصريحاته اليومية عن دوره في كشف الصحفيين المزورين لمؤهلاتهم الجامعية، ثم أغلق الملف، ولم تعلن الأسماء، ليتبين أنها قضية “شو إعلامي”، وأنه ملف عصي على الفتح، فذهب ليحقق انجازاً نقابياً داخل صحيفته، كما لو كان مجرد عضو في اللجنة النقابية لصحيفة “المصري اليوم”!
البداية
الجريمة الكبرى التي ارتكبها “ممدوح الولي”، واستدعت الجور على حقه الدستوري في ممارسة مهنته لمدة شهرين، هو أنه خالف قرار مجلس النقابة بمقاطعة اللجنة التأسيسية لوضع الدستور في عهد الرئيس محمد مرسي، وهو القرار الذي اتخذه المجلس في إطار عملية التجاذبات الحزبية، وانحيازاً للقوى السياسية الفاشلة، ولأحزاب الأقلية التي شكلت ما سمي بـ “جبهة الانقاذ”.. رحم الله موتاكم!
كان قرار المقاطعة الذي اتخذ في مجلس نقابة الصحفيين، وبدون عرض على الجمعية العمومية، أن اللجنة لم تستجب لمطلب النقابة بالنص على إلغاء الحبس في قضايا النشر، وكان رأي المستشار ” حسام الغرياني” رئيس اللجنة التأسيسية أنه نص قانوني، والدستور وباعتباره القانون الأعلى لا يجوز له أن يتضمن نصوصاً ليس الدستور مكانها الطبيعي!
ولأن الغرض مرض، فقد تزعم وكيل أول النقابة الناصري “جمال فهمي” اتجاه المقاطعة على قواعد “المكايدة”، ومن منطلقات حزبية كانت النقابة طوال تاريخها بعيدة عنها، لكنها دخلت طرفاً في صراع سياسي، وكانت هي النقابة الوحيدة التي استقبل “المؤقت” عدلي منصور مجلسها لتهنئته بمنصبه، الذي أنتجه الانقلاب، والذي مثلت له هذه المواقف غطاء مدنياً وهي  التي لا تخطئ العين دلالتها، ولم تكن الجماعة الصحفية قد انتخبت القوم ليمارسوا الزعامة السياسية، أو أن يجعلوا من النقابة حزباً بديلاً للحزب العربي الناصري، الذي كان قد انشطر في هذه الفترة، وكان زعيمه قد أعلن قبل ثورة يناير أنه لن يشارك في مظاهرات لا يعرف هوية الداعين إليها، ثم انتصب خطيباً والثورة مشتعلة ليعلن أن مبارك خط أحمر، ثم قدم بعد ذلك على أنه مفجر الثورة.. عن سامح عاشور أتكلم!.
الإعلام في عهد الإخوان
لست منحازاً لتجربة “ممدوح الولي” في موقع نقيب الصحفيين، بل ما زلت إلى الآن أعتقد أن إدارة مرفق الإعلام في عهد الحكم الإخواني، كان الملف الأكثر بؤساً، و كانت لي ملاحظات كتبتها أكثر من مرة على ما جاء في باب الصحافة والإعلام في الدستور الذي وضعته اللجنة التأسيسية برئاسة “الغرياني”، راعني حينها أن الذين انسحبوا من التأسيسية، والذين أيدوا الانسحاب، لم يتطرقوا لها، مع أنهم كانوا يفتعلون نصوصاً ليست موجودة ليؤكدوا سلامة موقفهم بالانسحاب، مثل النص على “مضاجعة الوداع”، وزواج الفتاة في سن التاسعة!
من أسباب اعتراضي هو أنني رأيت شجراً يمشي في النص على وجوب الترخيص للمواقع الإلكترونية واعتبرته نصاً يدخل منه الاستبداد، كما لم أتعامل بحسن نية مع  النص على الهيئات الإعلامية المستقلة التي تتولي الملف الإعلامي، دون النص على طريقة تشكيلها، ولدينا تجربة لا تسر في الحديث عن الهيئات المستقلة.
فالقانون اعتبر الصحف القومية صحفاً مستقلة يختار رؤساء تحريرها ورؤساء مجالس إدارتها مجلسًا منتخبًا هو مجلس الشوري، ولم يكن أحد يجادل في أن مبارك هو من يختارهم!
والمجلس القومي لحقوق الانسان الأصل فيه قانونا أنه هيئة مستقلة يصدر قرار بتشكليه من مجلس الشوري، وهو شرحه، ومعلوم بأن اختيار أعضائه يتم من قبل السلطة!
كما أن المجلس الأعلى للصحافة هو شرحه أيضاً، فهو يضم رؤساء تحرير الصحف القومية الذين يختارهم مبارك، والشخصيات العامة الذين يختارهم أيضاً، ولم يكن من بين الأعضاء من هم خارج هذه المنظومة سوى رؤساء تحرير الصحف الحزبية!
كان ملاحظاً لي أن احداً من المنسحبين أو من المؤيدين لهم لم ينتبهوا لهذه النصوص، مع أنهم أخرجوا “القطط الفطسانة” في “دستور الإخوان”، لكن ها هي ذات النصوص توضع في دستور الانقلاب!
ورغم اعتقادي أن الذين جعلوا من “الحبة قبة” في مجلس نقابة الصحفيين وقادوا اتجاه المقاطعة يعكرون ليصطادوا، ومع هذا كنت مع فكرة أن يلتزم النقيب “ممدوح الولي” ولا يشارك في اجتماعات اللجنة التأسيسية، لكنه فاجأنا بالمشاركة في الجلسة الأخيرة، ولم أعرف دوافع هذا إلى الآن، فقط ظننت للوهلة الأولى أنه جاء باتفاق ليحرز نصراً يهزم به المزايدين عليه، لكن كانت المفاجأة عندما تعمد “الغرياني” مقاطعته بعجرفة، ووقف الدكتور سليم العوا في حالة تعال ليرفض مطالبه، وفي نفس غطرسة مبارك وهو يقول الصحفيون ليست على رأسهم ريشة!
ليمونة في بلد قرفانه””
كان “الغرياني” أكثر من مستفز، وهو من كان يدير اجتماعات اللجنة التأسيسية كما لو كان “ليمونة في بلد قرفانة”، وبدا لي أنه يعيش دور القاضي في مواجهة متهم، هو “ممدوح الولي”. ولما كنت أشاهد الجلسات عبر شاشات التلفاز فقد كتبت على صفحتي على “الفيس بوك” لم يبق إلا أن يأمر بوضع نقيب الصحفيين في قفص المحكمة!
لماذا لم ينسحب “الولي”، وهذه هي المعاملة؟.. بل لماذا ذهب من الأصل؟.. هل وعد بشيء من الجماعة الحاكمة؟ وهل ما فعله “الغرياني” كان يريد أن يثبت برفض كلامه أن يشتهر بالاستقلال، ليكون في حكم من ظلم ليشتهر بالعدل؟!.. لا أعرف!
فما أعرفه أنه بحضوره رغم قرار المجلس بمقاطعة أعمال الجمعية التأسيسية لوضع الدستور، لم يرتكب مخالفة تستدعي إحالته للجنة التأديبية، ولا يمكن أن أفهم هذا إلا في باب الغرض، الذي هو مرض!
وأتمنى أن تعلن لجنة التأديب التي اتخذت قرارها سالف الذكر النصوص القانونية التي استندت إليها، لاسيما وأن العقوبة الموقعة عليه هي العقوبة الأقصى قبل عقوبة الشطب من الجدول، وكان أمامها أن تتخذ العقوبة المقررة في البند (1) وهي الإنذار، أو البند (2) وهي الغرامة، لكنها لجأت إلى العقوبة المقررة في البند (3) من المادة 77 من قانون نقابة الصحفيين وهي المادة التي أوردت العقوبات التأديبية على سبيل الحصر!
وقد وضعت المادة (75) الأسباب التي تستدعي الإحالة للجنة التأديبية وتتمثل في مخالفة الواجبات المنصوص عليه في القانون أو اللائحة الداخلية أو لائحة أداب المهنة، أو أن  يخرج الصحفي على مقتضي الواجب في مزاولته المهنة، أو يظهر بمظهر من شأنه الإضرار بكرامتها أو يأتي بما يتنافى مع قواعد آداب المهنة. وهو أمر كله منصب على المهنة وممارساتها، وفي الفقرة “ثانياً” من الباب الرابع من القانون وردت “الواجبات” على سبيل الحصر في المواد 72، 73، 74، وهذه الواجبات ما يلي:-
أولاً: على الصحفي أن يتوخى في سلوكه المهني مبادئ الشرف والأمانة والنزاهة.. فماذا في حضور الجمعية التأسيسية بالمخالفة لقرار المجلس ما يندرج تحت هذا البند.
ثانياً: لا يجوز لعضو النقابة اتخاذ أي إجراءات قضائية ضد عضو آخر بسبب عمل من أعمال المهنة…. وهو أمر لم يفعله صاحبنا !
ثالثاً: يؤدي الصحفي الذي قيد اسمه في الجدول أمام مجلس النقابة قبل مزاولته المهنة اليمين… فهل نما إلى علم المجلس الموقر ان “الولي” لم يؤد اليمين عند قيده قبل أكثر من ثلاثين سنة!
الشاهد هنا أن ممدوح الولي لم يخالف النصوص الثلاثة، بل لم يخالف ما ورد في الفصل الثالث من قانون تنظيم الصحافة 96 لسنة 1996، وهو الخاص بواجبات الصحفيين، وتدور كلها حول سلوك ممارسة المهنة وضرورة الالتزام بأخلاقياتها.
أعضاء اللجنة
واذا كان قانون النقابة 76 لسنة 1970، قد نص في مادته (81) على كيفية تشكيل هيئة التأديب الابتدائية، فقد نُسخت هذه المادة بالمادة (34) من قانون تنظيم الصحافة، ومثلي عندما يطالع أسماء أعضاء اللجنة التي اتخذت القرار بالمنع من مزاولة المهنة، فإنه يستقر في وجدانه، أنها لجنة تفتقر للحيدة، وهي من خصوم “الولي” السياسيين، إذا استبعدنا رئيس اللجنة “علاء ثابت”، وهو من الخصوم الشخصيين، حيث أقيل من منصب رئيس تحرير “الأهرام المسائي” الذي عين فيه بقرار من المجلس العسكري بعد ثورة يناير، ونعلم أن “الولي” كان صاحب كلمة مسموعة في الاختيار في فترة حكم الرئيس محمد مرسي، وهو لم يختر الأفضل أبداً، فقد عين صديقه بلا مبرر منطقي ” محمد خراجة” بدلاً منه، ليعود “ثابت” إلى موقعه بعد الثورة المضادة في 3 يوليو!
إذا استبعدنا “محمود كامل” عضو مجلس النقابة الحالي، وهو ليس معلوماً لدي، فسوف يصدمنا التشكيل غير الموفق، عندما تكون فيه “حنان فكري” عن مجلس النقابة، وتكون ممثلة المجلس الأعلى للصحافة “كريمة كمال”، وإذا قيل أن تشكيل الهيئة التأديبية لم يستهدف هذه القضية وحدها، لجاز لنا أن نسأل ولماذا لم تستشعران الحرج وتتخذان قراراً بالتنحي إلا إذا كان الهدف هو تصفية حسابات سياسية وغير سياسية!
هذا فضلاً عن أن ممثل مجلس الدولة في الهيئة التأديبية العابر للمجالس وللأفكار هو المستشار “محمد الدمرداش”، فقد كان في المجالس السابقة موجوداً لأنه في توافق وتناغم مع وكيل النقابة “صلاح عبد المقصود”، وعندما اختير وزيراً للإعلام سحبه معه إلى هناك مستشاراً قانونياً، والرجل من هول صدمة الانقلاب، يلهث بالإعلان بأنه مؤيد للحقبة الجديدة ويرفض الإخوان، وهو نجل الدكتورة “آمنة نصير” عضو مجلس النواب على قائمة “في حب مصر”، وربما استمراره إلى الآن مستشارا منتدباً لمجلس الدولة في الهيئة التأديبية هو لنفي الاتهام السابق بأنه مقرب من الإخوان، ولهذا كله فحسب قواعد العدالة، لم يكن له أن يتواجد في لجنة لمحاكمة “ممدوح الولي” ليظلمه بحثاً عن الخلاص!
وبعيداً عن التشكيل، فإن الأمر كله لا يستطيع مثلي أن يهضمه بسهولة؛ ذلك أن قرار الاحالة للهيئة التأديبية والذي صدر في اجتماع برئاسة وكيل النقابة السابق “جمال فهمي” كان في 1-12-2012، وقد حددت المادة (35) من قانون تنظيم الصحافة، المدة المقررة للانتهاء من اجراء التحقيق بثلاثين يوماً من تاريخ الإحالة، وإن أعطت فسحة للجنة إن رأت اللجنة أن التحقيق يستغرق مدة أطول وهنا عليها أن تستأذن مجلس النقابة في ذلك!
فهل استأذنت اللجنة المجلس في عهد “ممدوح الولي”، وهل استأذنته في العامين التاليين وفي عهد ضياء رشوان، وهل واصلت الاستئذان في عهد المجلس الحالي برئاسة “يحيي قلاش”!
وما هي الأسباب التي رأتها اللجنة مبرراً للاستئذان، والموضوع كله هو “كلمة ورد غطاها”، وقد سهل “الولي” بعدم حضوره المهمة، والذي يجوز إخطاره للمرة الثانية فإن لم يحضر أصدرت قرارها في غيبته، وهل كانت لجنة التأديب الموقرة تحقق طوال هذه الفترة ومن 1 ديسمبر 2012 إلى 19 يناير 2016 في جريمة قتل؟!
جريمة التطبيع
لا بأس وفق نظرية “الفاضي يعمل قاضي”، وأيضاً وفق مقتضى الحال الذي يقضي بالهروب إلى المشاكسة عند العجز على مواجهة القضايا الكبرى، فأيهما الأولى والحال كذلك بالاهتمام والتحقيق؟.. “ممدوح الولي” الذي خالف مجرد قرار للمجلس وفي قضية انتهت بوقف العمل بالدستور وعزل الرئيس المنتخب، أم بمخالفة قرار الجمعية العمومية بمنع التطبيع مع اسرائيل؟! وقد خالفت “حنان فكري”، واثنان من أعضاء المجلس قرار الجمعية العمومية وسافروا ضمن وفد للأرض المحتلة، وبفيزا إسرائيلية، في مهمة لا تزال غامضة إلى الآن؟!
وإذا كان هناك في مجلس النقابة السابق أو الحالي من لا يعرفون تاريخ النقابة، التي رفضت أن تكون أداة للسلطة في الانتقام من أعضائها لأسباب سياسية، فإن النقيب “قلاش” يعرف هذا التاريخ جيداً، فلماذا قبل في عهده أن تكون أداة لتصفية حسابات حزبية وما دون الحزبية؟!
اقتلوا ممدوح الولي أو اطرحوه أرضاً فقط أحيطونا علماً بالنص الذي بمقتضاه قررت لجنة التأديب الموقرة منعه من مزاولة المهنة لمدة شهرين، فليست الشفاعة ما نريد!

______________________________

* صحفي مصري 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان