نور الدين عبد الكريم يكتب: في تهنئة غير المسلمين

نور الدين عبد الكريم*
![]() |
من المواضيع التي تثار بشكل دوري ومستمر، وتضج بها المناقشات والمجادلات والاختلافات، في المجالس العامة، وعلى صفحات التواصل الاجتماعي؛ موضوع تهنئة المسلم لغير المسلمين بأعيادهم ومناسباتهم الدينية.
المتابع لهذه المساجلات سيلحظ أنها لا تتوقف، وربما لن تتوقف. وسيلاحظ أنها في أغلب الأحوال قد تتسم بتصلب الآراء، وتعنت أطرافها، فتنتهي إثر ذلك بالمشاحنة، والخصومة، ومن تم قد تتطور النتائج إلى التخوين والتشكيك في الدين والعقيدة والانتماء. فقبل أسابيع قليلة احتفل المسيحيون بمناسبة “الكريسماس” أو “عيد الميلاد”، وكالعادة السنوية، كان لمستخدمي وسائل التواصل الاجتماعية موعدً مع جولة من هذه المساجلات والاختلافات، فإن لم تكن طرفاً فيها، ستجد نفسك مضطرا للاطلاع عليها أو متابعتها، والتحسر إلى ما آلت إليه أحوالنا.
ليس من الإنصاف النظر إلى هذه المسألة، والحكم عليها بالأدلة الشرعية النقلية الصرفة، مع إغفال فقه الواقع، ومع تجاهل البعد الزماني والاجتماعي الذي يعيشه المسلمون اليوم.
في تعريفه لفقه الواقع، يقول الدكتور يوسف القرضاوي: “هو مبني على دراسة الواقع المعاش، دراسة دقيقة مستوعبة لكل جوانب الموضوع، معتمدة على أصح المعلومات وأدق البيانات والإحصاءات”، فالفقيه الذي يعتمد مجرد النقل في الإستدلال هو فقيه يعيش في زمان غير زمانه، أو ربما فقيه يريد أن ينقل المسلمين ليعيشوا في قرون انقضت وانتهت بيئتها الاجتماعية والسياسية، وحل محلها عصر جديد، بطبيعة مختلفة وواقع سياسي واجتماعي مختلف.
يذكرني هذا بما قاله الدكتور محمد الشنقيطي، فهو يرى أن الفقه الصحيح والسليم “عبارة عن تفاعل بين كلام الله والواقع”، ويرى أن جل آراء المتصلبين والممانعين لأي تفاعل اجتماعي بين المسلمين وغيرهم، هي آراء مستوحاة من نصوص واستدلالات قال بها ابن القيم رحمه الله في كتابه “أحكام أهل الذمة”. ابن القيم عاش قبل حوالي ستة قرون من الآن، وكان في زمن كانت تخوض فيه الأمة مرحلة “الحرب المستمرة” مع غيرها، وبالأخص التتار. في حين أننا في واقع سياسي واجتماعي مختلف تماما عن تلك المرحلة
لعل المشكلة في هذه المساجلات والمجادلات المتصلبة، تكمن في الأتباع لا الفقهاء. فهناك طرف يريد الانسلاخ والهروب من واقعه، معتقداً أن التجديد والتحديث يكون في الإنغماس في الثقافة الغربية بكل إيجابياتها وسلبياتها، وطرف آخر لا يقل خطورة عن الأول، يعتقد أن الدين الصحيح هو نقل أحكامٍ وآراء فقهية صيغت لحقبة زمنية معينة، ومن ثم يحاول إسقاطها على واقع مختلف عن تلك الحقبة. فبين هذين الطرفين، ومساجلاته ومناقشاته العقيمة، تاه الرأي المنصف والمفنّد للمسألة بعين الإدراك، والملاحظة السليمة لواقع الحال.
جانب آخر يساهم في فهم هذه الإشكالية، وعلى درجة عالية من الأهمية، ألا وهو التعددية في المجتمع الواحد، فمن يعيش في مجتمع أحادي العقيدة والشريعة، لن يتفهم الطبيعة التي يعيشها مسلم في مجتمع متعدد الديانات والأعراق، وربما تكون ماليزيا أفضل مثال لذلك. فماليزيا تتميز بتعدد أعراق وأجناس وأديان سكانها. فبالاضافة إلى العرق المالاوي، عرق السكان الأصليين للبلاد؛ ثمة وجود كثيف لمواطنين من العرق الصيني، والعرق الهندي، ومن أعراق أخرى خليطة جاءت نتيجة تزاوج المستعمر مع السكان الأصليين للبلاد، وذلك أثناء فترة خضوعها للاستعمار في أكثر من حقبة تاريخية.
هذا التنوع في الأعراق فرض وجود تعدد في الأديان. فبالإضافة إلى الإسلام، يعتنق بعض المواطنين الديانات المسيحية، والبوذية، والهندوسية، تعدد الأديان هذا يعني بطبيعة الحال تعدد المناسبات والاحتفالات والأعياد الدينية.
كون التركيبة السكانية للشعب الماليزي متعددة الأعراق والديانات؛ يفرض مفهوما آخر للوحدة الوطنية بين فئات الشعب، لذلك ومن باب المحافظة على هذه اللحمة، تحرص الحكومة “الإسلامية” على الاهتمام ومراعاة كافة حقوق المواطنين بأعراقهم ودياناتهم المتعددة، وإن لم تفعل ذلك فالخلافات والنزاعات ستكون أول وأخطر مهدد لأمن الدولة والمواطنين. فمن الطبيعي أن تجد الماليزي المسلم يشارك مواطنه المسيحي أو البوذي مناسبته الدينية، دون أن يتنازل أو يغير شيئا من عقيدته. فمجرد التهنئة، لا تعني الاعتقاد بصحة ديانة الطرف الآخر.
لدي صديق عربي يعيش هذا الواقع بشكل يومي، فهو محاط في بيئة عمله هنا، بزملاء يتبعون ديانات مختلفة، وينحدرون من أعراق مختلفة، فيسمعونه تحية الإسلام “السلام عليكم” وبلهجة عربية، على الرغم من صعوبتها على ألسنتهم، وذلك من باب احترامهم وتقديرهم له. وفي نفس الوقت، لا يتأخرون في تهنئته بعيدي الفطر والأضحى أو مناسبة دينية أخرى، فهل من الصحيح والسليم له كمسلم وداعية، من المفترض أن ينقل الصورة الصحيحة للدين الإسلامي، هل من الصحيح أن يتجنب، أو أن يمتنع عن تهنئة لفظية لهم في مناسباتهم من باب الإحسان بالمثل؟؟!!
لذلك أزعُم أن الخلاف حول هذه المسألة لا يتعلق بالحكم الشرعي فيها، فآراء العلماء المعاصرين مختلفة ومتعددة في المسألة، وكلها آراء نهجت النهج الصحيح في الاستنباط والاستدلال والنظر إلى الواقع، وعلى ذلك من يعيش في مجتمع تعددي قد يناسبه حكم يختلف عن المسلم الذي يعيش في مجتمع مخالف.
عما قريب سيحتفل الهنود بعيد التايبوسام، ثم الصينيون بعامهم الجديد، وسأجلس أتابع تهاني ومباركات بعض الأصدقاء كالعادة، وتعليقات مليئة بالاعتراض والانتقاد أحياناً، والتفسيق والتكفير في أحيان أخرى. وسيتكرر المشهد ما دامت الأرض تدور، وما دامت مشكلتنا ليست في الرأي الشرعي، بل في العقليات التي تتعامل معه.
أعجبني رأي صديق آخر، اقترح الاكتفاء بالتهنئة على الإجازة، لا سببها، فيكفي قول: “إجازة سعيدة”. وقد غاب عن بال صديقي أننا وجدنا من يدعي أن مقولة: “جمعة مباركة” من البدع في الدين. فلن تُـحل المشكلة ما دام سبب الخلاف يكمن في العقليات وفهمها للواقع، لا في أصل المسألة.
___________________________________
*كاتب أردني وباحث في الجامعة الاسلامية بماليزيا
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
