عبد الرزاق قيراط: انتفاضة العاطلين في تونس

تلك هي تونس، حيث لا لَوْمَ على المسؤول الصغير الذي يطمع في درّاجة فيسرقها، مادام المسؤول الكبير قد استحوذ على الحزب الحاكم وسطا عليه ومنح مصيره ومستقبله لنجله حافظ السبسي. يتبع
![]() |
عبد الرزاق قيراط*
فقد النظام في تونس، بين عشية وضحاها، عصاه السحريّة لحلّ المشاكل المزمنة، وعلى رأسها بطالة الشباب. فقد خرج الناطق الرسميّ باسم الحكومة في ندوة صحفيّة مشهودة ليبشّر الغاضبين بجملة من الإجراءات العاجلة تضمّنت قرارا تاريخيّا يقضي بانتداب 5 آلاف من العاطلين في مدينة القصرين وحدها. ولكنْ هيهات! أخطأ الوزير الجديد، وقيل “إنّه لم يفهم”، وتسبّب في إحراج حكومته التي تبرّأت بسرعة من تلك الانتدابات، وأكّدت على لسان وزير الخزانة أنّها آليّات ووعود!
ربّما لم يفهم الوزير(الناطقُ) تفاصيل المنطوق الذي دار بحضوره في ذلك المجلس. وليس مستبعدا أنّ الوزراء الذين هرولوا إلى الاجتماع في غياب رئيسهم الحبيب الصيد، لم يفهموا المطلوب منهم. فطبيعيّ إذن أن تكون قراراتهم شديدة الغباء. ولذلك لم تقنع المتظاهرين في الشوارع والمتكلّمين في المنابر حيث غاب التعاطف معهم، إلاّ من المنتسبين إلى الأحزاب المشاركة في الحكم. وآية تعاطفهم وتراحمهم أنّهم أكثروا من ذكر المندسّين والمخرّبين للتغطية على حقوق الجماهير الغاضبة التي فقدت ثقتها في ما يسمّى بالنخبة السياسيّة والثقافيّة والإعلاميّة.
وكان منتظراً، أنّ حكومة النداء ذات الكفاءات التي لا حصر لها، ستعمل على تحقيق أهداف الثورة، كما ذكر رئيسها الحبيب الصيد في خطابه الأوّل أمام مجلس النواب؛ لكنّ الواقع أثبت غياب البرامج ذات الأولويّات لدى فريقه المتكوّن من وزراء يعتبرون الوزارة مكافأة موعودة، وغنيمة مستحقّة، لا تكليفا لخدمة المواطنين وحلّ مشاكلهم. ولعلّ ما ذكره أحد الشبّان الساخطين خلال حديثه على فضائيّة فرنسيّة يؤكّد تلك الشبهة حيث توعّد الفرحين بمناصبهم قائلا:” سننغّص فرحتكم بالكراسي .. سئمنا الوعود ولن نعود إلى بيوتنا إلا عندما نحصل على شغل لنعيش بكرامة”.
وعود كاذبة.
حكوماتٌ تطلق الوعود ولا تحوّلها إلى منجزات على الأرض، لا خيار لها إلاّ الاعتراف بفشل ذريع أنتجته عقولٌ عقيمةٌ لا تعرف كيف تدير الأزمات، وتعالج تداعياتها بالحكمة المطلوبة، الأمر الذي يزيد في إرباكها، ويورّطها في التماهي مع نظام قديم خرج التونسيّون لإسقاطه في 14 يناير 2011.
وما تجدّدُ الشعارات التي أفزعت بن علي وعصفت بحكمه في أيّام معدودات من قبيل “التشغيل استحقاق يا عصابة السرّاق” و”الشعب يريد إسقاط النظام”، إلاّ دليلا على ذلك التماهي والخضوع لمافيا الفساد التي ما زالت تستحوذ على ثروات البلاد، وتعمل على نهب التونسيّين وتدمّر مستقبل أبنائهم.
لم يتعلّم النظام في تونس من حادثة البوعزيزي الذي أحرق نفسه عندما شعر بالظلم والقهر، فما وقع في مدينة القصرين لا يختلف عن أحداث سيدي بوزيد إلاّ في بعض التفاصيل. وهكذا أصبح رضا اليحياوي الذي انتحر احتجاجاً على حذف اسمه من قائمة موعودة بالتشغيل، رمزاً جديداً للغضب، وشرارةً قادحةً لانتفاضةٍ آخذةٍ في التوسّع لتشمل مدناً ومحافظاتٍ ثارت في 2011 وعادت لتثور اليوم بعد انتظار دام خمس سنوات عجاف تعاقبت فيها ثماني حكومات و138 وزيرا لم يغيّروا شيئا من واقع البلاد والعباد.
إنها انتفاضة جديدة على واقعٍ مليءٍ بالشعارات الجوفاء، والإنجازات التي لا تفارق الورق، ولا نسمع بها إلاّ في الخطب الرنانة المستهلكة. واقعٍ من مخلّفات بن علي، اللصّ الكبير الذي تفنّن في صناعة المشاريع الوهميّة فأحدث صندوقا للتنمية وبنكا للتضامن، لكنّ المليارات التي جُمعت من أجل الفقراء والعاطلين ذهبت في النهاية إلى المصارف الأجنبيّة في حسابات ليلى وعصابتها.
شبكات الفساد.
واليوم لا جديد يدعو إلى التفاؤل ويقنع المستعجلين بمزيد الانتظار. فالهبات والقروض التي حصلت عليها بلادنا بعد الثورة، لم توجّه على الأرجح إلى حيث يجب أن تصرف كما يثبت الواقع المتفجّر في كافّة أنحاء الوطن.
وفي هذا السياق، يمكن أن نذكر بعض الأمثلة من مشاريع نفقاتٍ جديدة بوصفها لا تخلو من ضبابيّة وتعويم لغويّ يدلّ على مصيرها المجهول. فقد تمّت المصادقة مؤخّراً على قرض بقيمة 285 مليون دينار لتحسين التصرف في المياه، وقرض آخر من البنك الدولي بقيمة 455،5 مليون يورو لدعم ميزانية الدولة في مجال الحوكمة وفرص التشغيل، وقرض ثالث بقيمة 325 مليون دينار لتمويل شبكة الطرقات. وكلّها قروض ضخمة بعناوين فضفاضة على صلة بالمياه والحوكمة والتشغيل وشبكة الطرقات المعقّدة، (حيث الممرّات الجانبيّة، والمنعرجات الملتوية، وتحويل الوجهة، وتعطيل السير)؛ فليس مستبعدا أن تضيع ملايين الدنانير بسبب سوء التصرّف وتغلغل شبكات الفساد في الإدارة التونسيّة طوال العقود الماضية. ستتبخّر تلك التمويلات كما جرت العادة من قبل، وكما يظهر من الفضائح الجديدة القادمة من محافظة القصرين. فهي لا تخلو كغيرها من المحافظات من مسؤولين فاسدين، وقد أقيل المعتمد الأول هناك بسبب سطوه على درّاجة هوائيّة قرّر إهداءها لأحد أبنائه، فلم تصل إلى صاحبها من قائمةٍ تضمّ تلاميذ فقراء..
تلك هي تونس، حيث لا لَوْمَ على المسؤول الصغير الذي يطمع في درّاجة فيسرقها، مادام المسؤول الكبير قد استحوذ على الحزب الحاكم وسطا عليه ومنح مصيره ومستقبله لنجله حافظ السبسي طمعا في تسليمه السلطة بالوراثة. ولا لوم في النهاية على المخرّبين الذين يعتدون على الممتلكات العامّة وينهبون المحلاّت التجاريّة إلاّ عندما يصبح الرئيس والوالي وموظّفو الدولة قدوة صالحة للمواطنين والفقراء والمهمّشين!
______________________________
*كاتب تونسي
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
