ممدوح الولي يكتب: المستشار الخضيري ورفاقه

إذا كان النظام المصري يظن أنه باستمرار اعتقال هؤلاء وترويعهم ، يبث الرعب في قلوب الآخرين، فيضمن الصمت والسكوت من جانبهم ، فإن ذلك لم يحدث خلال الشهور المنقضية. يتبع

ممدوح الولي*
ألم تكف الشهور المنقضية على سجن المستشار الجليل محمود الخضيري ، رئيس اللجنة التشريعية بمجلس النواب وأحد قضاة الاستقلال البارزين ، للإفراج عنه ؟ خاصة وأن شرط الإعفاء الصحي متاح.

اللافت أن سنوات عمر المستشار الخضيري المتقدمة لم تمنع  من استمرار سجنه، والإصرار على اتهامه بالاشتراك في تعذيب مواطن بميدان التحرير، رغم أن من تعاملوا مع الرجل يعرفون حاجته لمن يساعده لتحسس الطريق .

وإذا كان مستبعدا تدخل رئيس نادى القضاء السابق والحالي للإفراج عنه لوجود خلاف قديم معه، ألا يستحق الأمر تدخل كبار مسؤولي القضاء، أم أن الجميع يؤثرون السلامة، في ضوء الإحالة إلى الاستيداع ، لكل من يشتمون فيه بصيص من عدم رضا عن ممارسات النظام الحاكم؟

التعسف لم يلحق بالخضيري وحده، فيوجد كثيرون خلف القضبان منذ شهور طويلة ممن هم أكبر منه عمرا وأكثر في التدهور الصحي، ولقد جرى العرف في المجتمعات الإسلامية والمتحضرة عموما، على وجود نظرة أكثر تسامحا مع بعض الفئات التي يسمونها الفئات الحساسة مثل المسنين والأطفال والنساء؛
لكن الانقلاب العسكري لم يفرق في جبروته بين الجميع ، حيث هناك مئات المرضى والمسنين والأطفال والنساء خلف القضبان منذ فترات طويلة ، وبعضهم يتم الإفراج عنه ثم يتم تجديد حبسه، وكثيرون منهم متهمون بأمور لا تستدعي الاستدعاء لقسم الشرطة وليس للمحاكم والسجون؛ مثل حمل بالونة صفراء أو ملصق عليه علامة رابعة ، أو تعليق دبوس بعلامة رابعة على طرحة فتاة، أو وجود صور لتظاهرات على هواتفهم المحمولة.

ولم يكتف أذناب الانقلاب بالسجن لهؤلاء فقط ، بل ضيقوا عليهم في الزيارات وفى إدخال الأطعمة والملابس والأدوية.

وفى ظل غياب معلومات موثقة، لا يعرف أحد عدد المعتقلين في مصر هل هم 40 ألف معتقل أم أكثر من هذا، خاصة وأن عمليات القبض مستمرة ، وقد يتم الإفراج عن البعض مع اعتقال أضعاف عددهم في نفس الوقت ، وبما يشير لوجود آلاف المعتقلين ، وليس كما قال المتحدث الإعلامي السابق والحالي لوزارة الداخلية من أنه لا يوجد معتقل واحد .

واذا كان النظام المصري يظن أنه باستمرار اعتقال هؤلاء وترويعهم ، يبث الرعب في قلوب الآخرين ، فيضمن الصمت والسكوت من جانبهم ، فإن ذلك لم يحدث خلال الشهور المنقضية منذ يوليو 2013 وحتى الآن ، وما زالت هناك شواهد على رفض شعبي للانقلاب، رغم ما عايشه هؤلاء من تصفية جسدية واختفاء قسري وسحل وسجن ومصادرة أموال  للمعارضين .

ولا يظن النظام أنه رابح على طول الخط ، في ضوء استمرار اعتقاله للآلاف ، لأن هناك خسائر اجتماعية وسياسية واقتصادية لذلك ، فهناك إحساس بالظلم والقهر لدى أسر هؤلاء المعتقلين وأقاربهم بل وجيرانهم وأهالي قراهم وأحياءهم السكنية، بل ولدى من كانوا يستفيدون من خدماتهم ومساعداتهم ، أو ممن كانوا يعملون لديهم ، مما يشير إلى وجود مشاعر غضب تجاه النظام من قبل كثير من هؤلاء.

وعندما يقارن أفراد أسر المعتقلين أحوال عائلهم بالسجون ، مع من تم الافراج عنهم لكونهم يحملون جنسية أجنبية ، فهل يمكن أن تكون لديهم مشاعر طبيعية  للولاء للمجتمع  ؟، وهل يمكن التنبؤ بتصرفاتهم تجاه المجتمع الذى سكت على ظلمهم وتحطيم تماسك أسرهم؟ 

وعلى الجانب السياسي من الصعب أن يتقبل أحد بالداخل أو الخارج ادعاءات النظام بتحقيق الاستقرار ، أو وجود حريات أو تماسك اجتماعي ، والسفارات الغربية ترصد كل الأمور وتمد دولها بالتفاصيل ، لكنها تتغاضى لتعظيم تجارتها مع سوق به 90 مليون شخص .

هروب المستثمرين
وعلى الجانب الاقتصادي فإن حالة الاضطراب الأمني كفيلة بإبعاد المستثمرين سواء من الداخل أو من الخارج ،  وهو أمر واضح للعيان في ضوء تدنى الإقبال على الاستثمار في مصر ، حتى رجال الأعمال  الخليجيين الذين نظمت بلادهم لهم أكثر من مؤتمر لتشجيعهم على الاستثمار بمصر ؛ 
 لم تسفر مؤتمراتهم عن مشروع واحد منذ المؤتمر الأول في عام 2013 وحتى الآن ، ومثل ذلك حدث مع وفود رجال الأعمال الأجانب الذين  توالت زياراتهم  لمصر ، وعلى الجانب الآخر استمر خروج الاستثمارات الأجنبية سواء المباشرة أو غير المباشرة بالبورصة .
أيضا الانفاق الكبير على السجون فى ظل عجز الموازنة وإشاء سجون جديدة ، ونفقات الحراسة والإعاشة لأطقم الحراسة والنقل ، ومكافآت القضاة ، بل إن حجم الاستهلاك من الكهرباء فقط داخل السجون ، يكفى لتشغيل العديد من المصانع التي تنتظر دورها للحصول على الكهرباء .
ومن الخسائر الاقتصادية فقدان الجهد العملي والعلمي  لهؤلاء المعتقلين ، وغالبيتهم من صفوة المجتمع من أطباء ومهندسين ومهنيين وأساتذة جامعات ، ورجال أعمال لديهم منشآت تقوم بتشغيل المئات ، وتزيد من المعروض السلعي والخدمي بالأسواق بل والتصدير للخارج .
وهكذا فإذا كانت أسر المعتقلين قد خسرت ماديا ومعنويا الكثير ، فقد خسر نظام الانقلاب أيضا الكثير في  ميادين عدة ، أبرزها تدهور سمعته ومصداقيته بالداخل والخارج ، وكراهية جانب من المجتمع له ورغبته في التخلص منه ، واستمرار الاضطراب المجتمعي ، وحوادث العنف المتبادل وانشغال الشرطة عن دورها الأساسي الجنائي  والجيش عن مهمته على الحدود ، علاوة على خسائر النظام  السياسية والاقتصادية .

_____________________________

*نقيب الصحفيين المصريين سابقاً
 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان