ابتسام تريسي تكتب: هل يتفوّق “النمر” على “الأسد”؟

ابتسام تريسي*

العقيد سهيل الحسن المُلقب بـ”النمر” والذي انتشر صِيتُه عام 2012 بعد عسكرة الثورة السورية، وروّج له مؤيدو بشّار الأسد كبطل عسكري محنك، يدير المعارك بخبث لا يضاهى، وينتصر دائماً!

وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ انتصاراته تأتي دائماً نتيجة اعتماده على سياسة الأرض المحروقة فلا يدخل قرية إلا بعد إبادتها بالبراميل أو صواريخ الطيران.

ولقد انتشرت صوره على مواقع التواصل الاجتماعي وهو يرتدي العباءة فوق البدلة العسكرية ويحمل عصا – رمز القيادة القطيعية – بيده ورأسه من دون خوذة!

عُرف النمر بشاربه “البعثي” الخفيف، وقبعته المائلة إلى الأمام.. ولقِّبَ بمهندس البراميل، واستطاع السيطرة على مدينة “مورك” في ريف حماة بعد رميها بالبراميل المتفجرة، وظهر له فيديو بعد ذلك يركب درّاجة نارية مع جندي في حقول الشاعر الغازي غرب حمص بثه “جيش النمر”.

بعد سقوطه المدوي في معارك جسر الشغور جاءت معركة مطار “كويرس” العسكري ليظهر النمر كبطل لكنّه هذه المرة كان يتحدّث الفصحى، ويعتمر خوذة بمصباح للرؤية الليلية، وخرج على الجمهور بنظرية العالم! التي يقول فيها: “إنهم رجال القائد المفدى يلتقطون أعداءهم كما يلتقط الديك حبات القمح، ولكن أنت تقول عن أعداء العالم، أقول لك على العالم أن يعرف أعداءه ويُشخِّصهم بشكلٍ جيد فهل أعداؤنا هم أعداء كلّ العالم. على العالم كله أولا أن يعرف عدو العالم، وعلى من يدعم أعداء العالم أن يعرف أنه ليس من العالم… هل يوجد عاقل أو حكيم في الدنيا يدعم عدو ذاته؟”.

وهنا امتلأت صفحات التواصل الاجتماعي بصور “النمر” والفيديو الذي يشرح فيه نظريته الجديدة وتناقلها المؤيدون مبشرين بظهور فيلسوف جديد بلباس عسكري سيبذ غوبلز الألماني مستشار هتلر القائل “كلما سمعت كلمة مثقف أتحسس مسدسي” على الرغم من كونه لم يخدم في الجيش، واستمدّ قوته من فصاحته ودهائه وإدراكه المبكر لدور الإعلام في الحرب فأسس فن الدعاية السياسية المعروف بلونه الرمادي وهي مدرسة إعلامية استطاع من خلالها سوق ملايين الألمان لاعتناق الفكر النازي.

نظرية “اكذب حتّى يصدقك الناس”
وهو صاحب نظرية “اكذب حتّى يصدقك الناس” التي أعجب بها بشّار الأسد واستخدمها في أحد خطاباته، وذهب في إعجابه بها إلى تمثلها فصار يكذب ولا ينتظر تصديق الناس لأنّه يصدق الكذبة مباشرة ويرويها على أنّها حقيقة مطلقة!

لكنّ النمر لم يتحسس مسدسه بل خاض غمار الثقافة إلى أعمق نقطة فيها، وتلاعب بالكلمات -كما يفعل رئيسه- مع أنّ شخصية النمر لا تملك مقومات الشخصية الكاريكاتورية كبشّار الأسد، لكنّه تفوّق على الممثل السوري المرحوم نهاد قلعي الملقّب “بحسني البرظان” في مسلسل “صح النوم” والذي ظلّ طيلة المسلسل يحاول كتابة مقال لم ينجز منه سوى عبارة “إذا أردنا أن نعرف ماذا في إيطاليا فعلينا أن نعرف ماذا في البرازيل!” العبارة التي فتحت آفاق الحكمة والفلسفة للنمر في فترة الخسارات الميدانية، ونبّهته إلى الرابط الخفي العجيب بين الكلمات المبهمة وقوة التأثير على التابعين الأغبياء ففكّر بتقمص شخصية الرئيس وطريقته في التعبير وتدوير الأفكار واستنباط المترادفات ليستعيد مجده وحضوره بين مؤيدي النظام وكان له ذلك من خلال نظرية العالم!

لكن أحداً لم يتوقع إطلاقاً أن يعجب النمر بنفسه وإنجازاته فيخرج بنظرية جديدة هي نظرية اللاشعور مطيحاً بكلِّ من سبقوه من الفلاسفة.. يقول فيها: “اللاشعور سلسلة من الأحداث الزمنية التي يبنى عليها أشياء كثيرة هي اللاشعور المنظم، اللاشعور المليء بالولاء، المليء بالعطاء وأنتم تقومون بأعمالكم من اللاشعور بإحساسكم بوطنيتكم، بحبكم وولائكم، ككل يوم باللاشعور ترفعون اسم سوريا عالياً، وترفعون علم الوطن عالياً.. على اللاشعور العظيم المتجلي بالمفاهيم والقيم الروحية بما تجلى في اللاشعور الموجود في ذواتكم من القيم من المفاهيم الروحية العملاقة”.

والنمر يتمتع بشعبية كبيرة في الجيش تدفع الكثيرين للقتال تحت رايته في فرقته التي عرفت “بفرقة النصر المتجولة” التي تضم _حسب صفحات المؤيدين_ 80 ألف جندي، وهو على اتصال مباشر بالرئيس ويأخذ الأوامر منه شخصياً، وظهر ذلك في فيديو من معارك جسر الشغور. هذه الشعبية للنمر كفيلة بإثارة تساؤلات حول طبيعة طموحاته، فقد سرّب أفراد مقربون إليه من الجيش بأنّه سيكون بديلاً لبشّار الأسد في الحكم في حال أظهر الأخير تهاوناً _وهو يظهره دائماً_ في حقوق الطائفة العلوية التي تعقد أملها على “النمر”!

وكما ظهرت صور لجنود ومدنيين يركعون لصورة بشّار الأسد ويسجدون، ظهرت صور للنمر يركع فيها الجنود ويسجدون له! أي أنّ الأمر هنا تخطى الرمز الممثل في الصورة وتجاوزه إلى الشخص نفسه. وكما أنّ قوة الأسد تأتي من دعم إيران وروسيا، قوة النمر أيضاً لا تأتي من علاقته المباشرة بالأسد، بل من إيران فهم يثقون به ثقة مطلقة، كذلك روسيا تهتم به فقد انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي صوره وهو يقدم التحية لضابط روسي، الضابط ذاته الذي قلده أحد النياشين إثر إعلان الولاء له .. مع ذلك يبقى النمر إلى الآن وفياً لرئيسه وملهمه بشّار الأسد، حيث يقول ومن مطار كويرس رداً على سؤال المذيع شادي حلوة: “في النهار كنت أتكلم وأنظر إلى الشمس فكنت أرى صورة قائدي وسيدي المجاهد الأول بشّار حافظ الأسد ترتسم على جبين الشمس، أمّا الآن فتسألني في الليل فأنا أراه كالقمر الساطع ومن حوله رجاله كالنجوم الزواهر”!
الأسد والنمر يتسابقان فوق ركام سوريا وأشلاء أبنائها. فلمن يكون السبق في غابة يأكل فيها المحتل الأخضر واليابس؟
________________________________

*روائية سورية

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان