عامر عبد المنعم يكتب: ترامب وخطاب التعصب والكراهية

الخطاب السياسي في الغرب يتجه نحو التعصب الديني لمواجهة ما يرونه خطرا إسلاميا على المسيحية، ويتسابق الساسة في إعلان توجهاتهم الدينية ورفع رايات تذكرنا بالحروب الصليبية. يتبع

عامر عبد المنعم*
الخطاب السياسي في الغرب يتجه نحو التعصب الديني لمواجهة ما يرونه خطرا إسلاميا على المسيحية، ويتسابق الساسة في إعلان توجهاتهم الدينية ورفع رايات تذكرنا بالحروب الصليبية. فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين استعان بالكنيسة لمباركة توجه القوات العسكرية الروسية إلى سوريا بزعم حماية المسيحيين، ونفس الخطاب نراه في أمريكا التي مازالت تعاني من حروب جورج بوش والمحافظين الجدد، حيث تظهر الشعارات الدينية الأكثر تطرفا.

وعاد من جديد الخطاب التحريضي ضد المسلمين، وترديد ادعاءات زائفة عن تعرض المسيحية للخطر.
في سياق ظاهرة التعصب الديني المتصاعدة تأتي تصريحات المرشح الجمهوري للرئاسة الأمريكية دونالد ترامب لتعطى انطباعا وكأن أمريكا مهددة، وأن الغرب يتعرض لغزو إسلامي خطير يستحق إعلان الطوارئ، ويقدم ترامب نفسه كبطل أمريكي يريد أن يتصدى لهذا “الاجتياح” لإنقاذ أمريكا والمسيحية، وهو يحاول أن يروج لصورة خيالية منافية للواقع؛ فالحقيقة أن جيوش أمريكا والغرب هي التي تنتشر في العالم الإسلامي تحت مبررات شتى وتعيش شعوب مسلمة تحت الحصار الغربي وليس العكس.

لا ينبغي أن نتعامل مع تصريحات ترامب باستخفاف، ولا يصح أن نقلل من خطورة هذه المواقف المتعصبة أو نتعامل معها بلامبالاة؛ فهذه المواقف العدائية الصريحة تجاه الإسلام  تعكس تغيرا متصاعدا لصالح تيار المحافظين الجدد بالولايات المتحدة، الذين حققوا مؤخرا نتائج كبيرة في انتخابات الكونغرس على حساب الديمقراطيين، وقد يفوزون بمنصب الرئاسة بعد عام، لذا تستحق هذه التغيرات في الخطاب السياسي الأمريكي الرصد والتحليل لارتباطها بأمن منطقتنا بشكل مباشر.

الدعاية المتعصبة
تتسم التصريحات النارية لترامب ضد الإسلام والمسلمين بالحدة وعدم مراعاة الحكمة والتوازنات السياسية والأخلاقية؛ فهو يرفع راية المسيحية المحاربة ضد ما يراه خطرا تتعرض له الولايات المتحدة الأمريكية، ويبالغ في هذه الدعاية المتعصبة لرفع درجة الإحساس بالخطر، وتهيئة المجتمع الأمريكي لتوجهات سياسية جديدة أكثر عنصرية، وأكثر عدائية تجاه المسلمين.

يقدم ترامب نفسه كمنقذ لأمريكا والمسيحية ضد أعدائها، حيث يقول في حوار مع محطة تلفزيون سي إن إن: “سنقوم بكل ما في وسعنا لحماية المسيحية، وإذا نظرنا إلى ما يحدث في العالم، فسنجد أن الديانة المسيحية محاصرة، فإذا كنت مسيحياً في سوريا فسيقطع رأسك”.

ويقدم نفسه على أنه الزعيم المخلص للمسيحيين في العالم حيث يقول: “أنا بروتستانتي وأنا أتبع الكنيسة المشيخية وإذا ترشحت وفزت سأكون أعظم ممثل للمسيحيين منذ وقت طويل”، وأشار إلى أن “هناك الكثير من الأمور التي تحصل وعلينا الوقوف مع بعضنا، ونحن لا نتكتل في حين أن سائر الأديان الأخرى يتكتل أفرادها مع بعضهم البعض”.

وفي أحدث تصريحاته النارية دعا ترامب لبناء سور أمريكا العظيم لمواجهة تدفق المهاجرين إلى الولايات المتحدة، واستشهد بسور الصين العظيم قائلاً: “عندما أقول إننا سنقوم ببناء جدار هنا فالناس تسألني عن سبب ذلك، وأنا أذكرهم بمثال الصين التي قامت ببناء جدار قبل ألفي عام، لم يكن لدى الصين آنذاك جرافات وأجهزة حفر ولكنها بنت الجدار على امتداد 13 ألف ميل، نحن نتحدث عن جدار مماثل”.

ويعد هذا التصريح هو الأكثر إثارة للجدل، وهو يكمل تصريحا سابقا له بالمنع الشامل والكامل للمسلمين من دخول أمريكا، فالسؤال هو أين سيبني هذا السور العظيم؟

هل سيبنيه على الحدود السياسية للولايات المتحدة؟ وإذا كان ذلك كذلك ألا يكفيه المحيط الأطلنطي حاجزا مائيا طبيعيا يحمي أمريكا منذ نشأتها؟  هل سيبني ترامب السور العظيم على حدود حلف الأطلسي؟ أي توسيع الحدود لتشمل أوربا بما فيها تركيا (المسلمة) أيضا التي يعتبرها الناتو حائط الصد أمام الأطماع الروسية؟
وفي كلا الحالتين هل سيسحب ترامب – لو تم تنصيبه رئيسا- الجيش الأمريكي وحاملات الطائرات خلف هذا السور العظيم؟!

الغزو الأمريكي الغربي
التأكيد، هذا التصور الذي يطرحه ترامب، والذي يبدو دفاعيا يكذبه الواقع الذي يشاهده العالم على الشاشات بالصوت والصورة؛ فالجيش الأمريكي هو الذي ينتشر في أراضي المسلمين، وهو الذي يقصف مدن المسلمين تحت مبررات متعددة، بل إن الجيوش المسيحية هي التي تسيطر على بلاد المسلمين منذ قرنين، وليس كما يزعم ويدعي، وحتى قضية ملايين اللاجئين التي يخشى منها الغرب الآن هي من نتائج الغزو الأمريكي الغربي لبلاد المسلمين، وتفاقمت مع تواطؤ الولايات المتحدة والغرب مع الشيعة والأقليات  ضد الأغلبية من العرب السنة في العراق وسوريا.

ما يطرحه مرشح الحزب الجمهوري ليس جديدا ولكنه الأكثر صراحة، وهو لن يضيف جديدا لموقف المحافظين الجدد تجاه العالم الإسلامي، ولكنه قد يكون بداية لسياسة عنصرية تجاه المواطنين المسلمين في الولايات المتحدة، وشيطنتهم واعتبارهم عدوا، وهذا هو الأخطر لأنه يعيد إنتاج الكراهية والتمييز ضد أتباع دين سماوي، وتكرار تجربة اضطهاد السود الأفارقة ولكن هذه المرة مع الأقلية المسلمة.

مسيرة التاريخ تخبرنا أن الغرب في حاجة دائماً إلى عدو خارجي، ولذلك يتم استدعاء الإسلام والأمة الإسلامية بشكل دائم إلى الصراع. وهناك إصرار من العديد من الدوائر والأوساط السياسية الأمريكية والغربية على افتعال معركة مع الإسلام والتأكيد على أن المسلمين هم التهديد الأخطر، لتسويغ المبادأة بالعدوان والاستمرار في شن الحروب.

دائما يلعب التعصب الديني في الغرب الدور الرئيسي في إذكاء الصراع ضد المسلمين، خاصة أولئك الذين يؤمنون بالعودة الثانية للمسيح والحكم الألفي الذي ورد في سفر الرؤيا، وهذه العودة  -حسب فهمهم- تسبقها حروب مدمرة تنتهي بحرب هرمجدون في فلسطين التي سيقتل فيها الملايين، وأن هذه الحرب وهذا الدمار أمر حتمي كي يعود المسيح ويحكم الأرض لمدة ألف عام. ويعتقد الإنجيليون وأنصار ما يمسى بالمسيحية الجديدة أن تجميع يهود العالم وإقامة الهيكل مقدمة لهذه العودة.
ثمة حقيقة، وهي أن التطرف المسيحي الغربي المعادي للإسلام لم يكن أبداً رد فعل، وليس وليد أحداث استثنائية.
لقد كانت روح الصراع هي التي تدفعهم دوماً لشن الحروب في ثلاث موجات عسكرية ضد المسلمين: ففي الموجة الأولى كان الدافع الديني هو المحرك الأبرز وراء الحروب الصليبية، وفي الموجة التالية، وهي الموجة الاستعمارية اختلط الدافع الديني بالاقتصادي، وفي المواجهة المعاصرة وهي ما يسمى بالحروب الاستباقية اختلط الديني بالاقتصادي مع الرغبة في الهيمنة والسيطرة على العالم.

لكن الحروب خلال العقدين الأخيرين أثبتت أن الخاسر ليس فقط الشعوب المسلمة التي تعرضت للغزو وإنما خسرت الدول التي شنت الحروب الكثير من قوتها وهيبتها وقوتها بل ومستقبلها بسبب العدوان، وتأتي الولايات المتحدة في مقدمة الخاسرين اقتصاديا وعسكريا، وضاعت أحلامها الإمبراطورية وطموحاتها التي لاحت في بداية الألفية، وكان من المفترض بعد هذه النتائج الكارثية أن يتعظ قادة الغرب وحكماؤه، وأن يسعوا لوقف الحروب ومنع هذه الدعوات المحاربة، والبحث عن صيغة جديدة للتعامل مع العالم الإسلامي غير الحرب.
ما لم يتعلمه أصحاب الآراء المتعصبة أن فكرة القوة بمفهومها القديم انتهت، ولن تستطيع دولة أن تحكم العالم بالقوة المسلحة كما كان في الحقبة الاستعمارية، فالشعوب تغيرت، ومصالح الأمم أصبحت أكثر تشابكا، ولم تعد القوة المسلحة حكرا على جهة واحدة تستطيع أن تفرض ما تريد، على من تريد، في الوقت الذي تريد، فالعالم تغير، وما كان مقبولا بالإكراه والإجبار من قبل لم يعد مقبولا اليوم.

__________________________________

*كاتب وصحفي مصري 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان