سليم عزوز يكتب: “الميدان المفتوح”..صورة واحدة وقراءات مختلفة

على عظمة المظاهرات التي خرجت فإنها لا تدفع للعدول عن قرار فصل الدكتور محمد مرسي من جامعة الزقازيق، وليس إلى عودته لموقعه كرئيس للجمهورية. إن أردت الدقة فقل إنها لا تدفع لتحسين ظروف اعتقاله

سليم عزوز*
صورة “ميدان التحرير مفتوحاً على مصراعيه هى الجديد في ذكرى ثورة يناير هذا العام، فقد جاءت الصورة لتؤكد أن الميدان خال من الحضور الأمني الكثيف، ومن المدرعات التي ترابط على مداخله، لتمحو الصورة التي اعتدنا عليها منذ وقوع الانقلاب العسكري!
عندما أخبرني زميل في صباح ذكري ثورة يناير، أنه سيذهب للميدان، قبل ذهابه لعمله في الصحيفة التي يعمل بها، لأن معلومات وصلته تفيد أن “التحرير” مفتوح، لم أنتظر حتى يذهب وتواصلت مع أكثر من صديق، ليأتيني الخبر اليقين، الذي تأكد منه الزميل في وقت لاحق، بأن الميدان “مفتوحً “على البحري”، بعد ذلك نُشرت صورة للميدان الخالي من الوجود الأمني غير الطبيعي، وبدا على “مدد الشوف” خالياً من البشر عموماً، إلا من عدد (86) شخصيا (حسب إحصاء أحد الأصدقاء) كانوا يقفون في جانب من الميدان ويهتفون باسم السيسي، ويرفعون لافتات تطالبه بأن “يكمل مسيرته”، وفي حضور أمني متواضع، بدا مبتهجاً بمناسبة “عيد الشرطة”!
عندما تأكدت من أن “الميدان” خال من البشر، عرفت سبب الاعتذارات عن نشر صورة “الميدان” بالحضور اللافت لقوات الجيش به، إذ اعتبر المعتذرون أنهم وقعوا ضحية لصورة مزورة، وكان من الواضح أن إخلاء الميدان من الوجود الأمني المبالغ فيه، تم قبل يوم 25 يناير، ولأني نشرت صورة قوات الأمن من قبل، فقد ذهبت لأبحث عن مصدرها، فوجدتني أعدت نشرها على صفحتي بـ “الفيس بوك” نقلاً عن صفحة المتحدث العسكري، في يوم (22 يناير)، فالصورة إذن لم يجر تلفيقها بواسطة “الفوتوشوب”، فماذا جرى؟!
حالة الهلع
المدرعات التي إمتلأ بها “ميدان التحرير”، وإغلاقه المبكر، كان إجراءً يتفق مع حالة الهلع التي أصابت السلطة الحاكمة، وعبر عنها تصريح قائدها “عبد الفتاح السيسي” بأنه مستعد لأن يستقيل إذا رفضه الشعب المصري “كله”، بعد تزايد أعداد خصومه لتشمل شرائح كثيرة من القوى التي ساندته من قبل، حتى وجدنا هجوماً عليه من أنصار الفريق أحد شفيق يتجاوز في حدته هجوم أنصار الشرعية، فضلاً عن أن المواطن البسيط الذي كان يبحث عن الاستقرار، أصيب بخيبة أمل وهو الذي ظن أن الاستقرار سيتحقق حتماً على يد رجل يسيطر على كل أجهزة القوة في الدولة المصرية.
كما أن القوى المدنية، التي كانت تعتقد أنها بخلع الحكم الإخواني، ستتمكن من الحكم أو المشاركة فيه، استيقظت على عودة دولة مبارك، حتى صار من الطبيعي الجهر بسب ثورة يناير في البرلمان الذي عقد بدونهم فلم تشملهم الانتخابات، أو قرارات التعيين التي يصدرها رئيس الدولة!
لقد لاحظت تراجعاً في مواقف بعض الكتاب والسياسيين الموالين للانقلاب، خلال الأيام الماضية، وكلما اقتربت ذكرى ثورة يناير، وبعض الإعلاميين في برامج “التوك شو” توقفوا عن أدائهم المستفز للثورة والثوار، وانشغلوا بمعالجة قضايا أقل جماهيرية إيثاراً للسلامة!
ولأننا كنا نعرف حدود جبهة القوى الرافضة للانقلاب والتي تملك قدرة الحركة على الأرض، فقد ظننا أن وراء الأكمة ما وراءها، وأن الهلع ليس مرده إلى قوة أنصار الرئيس الشرعي، بقدر ما يرجع إلى تصدع الجبهة الداخلية للانقلاب، وكشف عن هذا الزيارة الليلية المفاجئة للسيسي لمقر المخابرات العامة، واستمراره في إقصاء بعض رجال الجهاز!
إن شئت الدقة إن أحداً لم يعد متحمساً للسيسي، وإن كان الفتور لم يتحول إلى خصومة له داخل جبهة الحكم، فالفتور لن يتحول إلى عمل إيجابي إلا إذا انتقلت المظاهرات في الشارع من إطار الفاعلية التي تنتهي في وقت معين، إلى عمل ثوري يخرج المشاركون فيه من بيوتهم وقرارهم أنه لا عودة إلا إذا تحققت مطالبهم.. وحال قوى الشرعية لا يخفي علي أحد!
الانقلاب يترنح
يسخر بعض الصبية من مقولة قديمة للدكتور محمد الجوادي: “الانقلاب يترنح”، وسخريتهم ترجع إلى أنهم يشاهدون الانقلاب باقيا في الحكم، والبعض منهم يراه قوياً، لكن الواقع أن الأزمة ليست في قوته، لأنه عندما أصابه الضعف، كان معارضوه أكثر ضعفاً، فالانقلاب يترنح ومعارضوه أيضاً يترنحون!، وترنح الانقلاب قريب الشبه بترنح السلطة الحاكمة في مصر قبل ثورة 1952، إذ كانت القوى السياسية تدور في فلك الحكم، وتقدم مطالب بإصلاحات سياسية تحت سقف “الشرعية الدستورية”، فجاء أقل من مئة ضابط من صغار الرتب فأطاحوا بالجميع بما في هذا الأحزاب السياسية، وطردوا الملك وحكموا هم، على قاعدة: “ويفوز باللذات كل مغامر”!
لا أعرف الأسباب التي دفعت لفتح “ميدان التحرير” وإخلائه من قوات الجيش التي حولته قبل ذلك لثكنة عسكرية، كما تقول الصورة المنشورة على صفحة المتحدث العسكري؟.. فهل قيل لهم إن شيئاً لن يحدث يستدعي هذا الحضور البائس؟!
لقد بدا لي أن هناك ارتباكاً داخل سلطة الانقلاب، فالجهة التي روجت لصورة الحضور العسكري في “ميدان التحرير”، لم تنشر الصورة الجديدة للميدان خالياً من العسكر ومن البشر أيضا، والتي نشرتها “مواقع إلكترونية”، وربما بعض الصحف في اليوم التالي، مع أهمية هذه الصورة في التأكيد على قوة النظام وثقته في نفسه، وضعف معارضيه!
كان يمكن لمثلي أن يستوعب فكرة إلغاء الوجود الأمني المبالغ فيه واستبداله بوجود أقل، لكن ما لم أفهمه هو الإبعاد الأمني الكامل، والذي برره بعض المؤيدين للشرعية بأنه “كمين”، أو “مصيدة”، وأن الأمن كان موجوداً في الشوارع الجانبية، وفي مركز شباب الجزيرة، وداخل “جراج التحرير”، حتى إذا ما دخل الثوار إلى الميدان جرى حصارهم والاعتداء عليهم، إلى غير هذا من تبرير لتفويت هذه الفرصة!.
“التعليم على السلطة”
منذ وقوع الانقلاب العسكري، وهناك رمزان للسيادة، هما محيط قصر الاتحادية (قصر الحكم)، وميدان التحرير ( عنوان الثورة)، إذ يحرص أهل الحكم على عدم تركهما عرضة لأية مفاجآت، لأن مجرد المرور العابر لمظاهرات تدخل على حين غرة، هي دليل قوة، وكثيراً ما مرت مظاهرة خاطفة، وفق النظرية الشعبية التي عنوانها “التعليم على السلطة”، والتأكيد على أن الثورة مستمرة!
الحضور الأمني لا يستهدف في الواقع الاعتداء على المظاهرات فقط، وإنما يستهدف أيضاً منعها من الأساس، وصورة حضور قوات الجيش بالعدد والعتاد وترويجها عبر صفحة “المتحدث العسكري”، ونشرها عبر المواقع الصحفية الموالية للانقلاب، هي بغرض الردع والتخويف.
الجيش نزل للميادين والشوارع وبحسب مصدر وثيق الصلة بالقوات المسلحة هو “ياسر رزق” أن أعداد قوات الجيش التي نزلت تحسباً لمظاهرات الذكرى الخامسة للثورة هي 60 ألف جندي وضابط، وهو العدد المنشور في “مانشيت” جريدة “الأخبار” المتمدد على ثمانية أعمدة قبل أيام، هذا فضلاً عن   قوات الشرطة، وهذا العدد، وهذا النشر هو إن كان كاشفاً عن حالة الهلع، فإنه يستهدف تحقيق الرسالة بإحداث الرعب في قلب معسكر الخصم!
إن مجرد دخول مظاهرة عابرة لميدان “التحرير” هي رسالة لا تخطئ العين دلالتها، فلماذا انسحبت القوات وتركت “التحرير” بهذه الصورة غير المسبوقة؟!.. ولماذا لم تقم الثورة بمجرد مظاهرات تستهدف “اللقطة الإعلامية”، وقد حدث هذا في أجواء أكثر مخاطرة؟، والخروج في مظاهرة ولو في “الحارة المزنوقة” في مصر الآن مخاطرة أيضاً؟!
لا أظن أن السلطة المصرية أرادت بهذا “الميدان الخالي”، أن تؤكد قوتها وثقتها في نفسها، وضعف معارضيها الذين لم يستطيعوا مجرد تنظيم مظاهرة مفاجئة كما هي العادة، فالصورة السلبية وقعت بما نشر على صفحة المتحدث العسكري، وبما نشر عن أعداد قوات الجيش التي نزلت لمواجهة المخاطر ومظاهرات قوى الشرعية، وباستعدادات قوات الأمن لهذه المظاهرات!
كما أن الصورة الخالية من الجماهير، والتي تذكرنا بالقاهرة في فترة الأربعينات، حيث الشوارع خالية من البشر والسيارات، أدت (هذه الصورة) رسالة سلبية تؤكد حالة الهلع التي دفعت الناس لالتزام بيوتهم لتصبح شوارع عاصمة وصفت بأنها لا تنام على هذا النحو!
من بيدهم عقدة التظاهر
هل وصلت للسلطة رسالة طمأنة باعتماد “ميدان التحرير” خطأ أحمر، ولن تمر منه مظاهرة؟.. فمن أرسل الرسالة وما هو ثمنها وما هو المقابل الذي سيحصل عليه؟
 بتحليل أكثر مخاطرة، هل هذا كاشف عن أن تسوية الحد الأدنى في الطريق برعاية إقليمية، أو وعد بتسوية، أو إيهام بها، فأراد من بيدهم “عقدة التظاهر” أن يبادروا بتقديم “عربون محبة”، وربما للتأكيد على أنهم وحدهم من يملكون الشارع فيلتهب كما حدث لأربعة أيام في ميدان المطرية وضواحيه في الذكرى الرابعة للثورة في العام الماضي، بشكل أزعج الإدارة الأمريكية قبل الهدوء فجأة ثم يتحول الأمر إلى مجرد فعاليات في الذكرى الخامسة محددة الموقع والوقت، فلا تتمرد ولو مجموعة من الشباب فتقوم بمناورة في “الميدان المفتوح” ولو لدقائق!
لا أحد يمكنه الآن التنبؤ بحقيقة ما جرى، والذي قد يكون اتجاهاً إخوانياً خالصاً ولأمور تنظيمية داخلية، فإذا كانت القيادة الإصلاحية، قد أحكمت قبضتها على المكاتب الإدارية إلا سبع محافظات، تشكل التيار الثوري داخل الجماعة، فهل التعامل مع ذكرى الثورة هذه المرة جرى على قاعدة الضرورة التي تقدر بقدرها انتظاراً لمصالحة يبدو أنه جرى الاتفاق عليها من خلال البيان الذي صدر عن مكتب الدكتور القرضاوي في اليوم التالي، والذي أظهر أن المصالحة قادمة لا ريب فيها، وإلى أن يجري تعديل اللوائح والانتخابات ينبغي احترام مؤسسات الجماعة!
لا أنكر أن المظاهرات كانت حاشدة في بعض المحافظات، مثل الإسكندرية، وهو ما يؤكد أن قوى رفض الانقلاب لا تزال قادرة على الحشد؟ لكن هناك فرق بين المظاهرات محددة الوقت، وبين الثورة محددة الأهداف!
وعلى عظمة المظاهرات التي خرجت فإنها لا تدفع إلى العدول عن قرار فصل الدكتور محمد مرسي من جامعة الزقازيق، وليس إلى عودته إلى موقعه كرئيس للجمهورية. إن أردت الدقة فقل إنها لا تدفع  لتحسين ظروف إعتقاله.
إنه تبديد لحماس الجماهير، لتحقيق مصالح تنظيمية ضيقة، تفشل دائماً، بدلاً من مصارحتها بالحقيقة المرة، وهي أن الثورة ليست مطروحة على جدول أعمال التنظيم!.
إن أسمى أمانيهم في سادات جديد يسمح لهم ببعض الحركة، ويرفع عنهم المظالم التي وقعت عليهم في عهد عبد الناصر!.
“كل ميسر لما خلق له”!

_____________________________

*صحفي مصري   

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان