صلاح سليمان يكتب: ليلة في “زريبة” أبقار نمساوية!

صلاح سليمان*

دقت السيدة “شيمل” باب حجرتي في تمام الساعة السادسة صباحاً بعد أن قضيت أول ليلة في ذلك البيت الريفي الجميل في إحدى قرى ” سالزبورغ” الواقعة في أحضان جبال الألب.. قالت: عليك بالإسراع، أمامك خمس دقائق، فنحن جاهزون للذهاب إلى” الزريبة” الآن ..انتبهت إلى أصل الكلمة التي نطقتها بالألمانية “شتال” إنها تعني “زريبة الحيوانات” بالفعل ! .
على باب “الزريبة” في الوقت المحدد كنت هناك، وأعترف أنني لم اقرأ التفاصيل الدقيقة لبرنامج الرحلة المخصصة للتعرف على سياحة الريف وحياة القرويين في ” سالزبورغ”،  فأحد بنود برنامج الرحلة هو معايشة يوم كامل لحياة القرويين من الصباح الباكر وحتى المساء .
أصبح الأمر جليا الآن بعد أن سلمتني السيدة شيمل “أوفرول” أخضر اللون،  وجاروف،  وحذاء نصف رقبة بلاستيك، وعربة يد.. وقالت : سنبدأ أولاً في رفع روث الأبقار إلى الخارج قبل البدء في حلب الأبقار،  وتوزيع العلف..ثم تابعت قائلة : إن هذا البند بدأنا في تطبيقه في البرامج السياحية، بعد أن تزايد عدد الراغبين في مشاركة الفلاحين يوماً أو يومين في العمل الريفي خاصة حلب الأبقار،  وجمع الأخشاب من الغابة،  وإطعام الحيوانات،  بل إن البعض في ليالي الصيف يرغب أكثر من ذلك في المبيت قرب الحيوانات في الهواء الطلق.
الحظيرة بها 48 بقرة،  يحجز بين كل واحدة وأخرى حاجز معدني،  ويتم حلبها مرتين في اليوم. كل هذا العمل يقوم به الرجل وزوجته فقط، واحيانا بمساعدة الأولاد.
 المزرعة التي زرتها مصنفة في نطاق الإنتاج العضوي،  مما يعني أن غذاء الأبقار خال تماماً من أي مواد كيميائية،  أو النباتات المعدلة وراثيا، كذلك لابد أن تكون الأعشاب طبيعية 100% وبعيدة عن أي من الملوثات بنسبة .
إجمالي ما تنتجه المزرعة حوالي 70 ألف كيلو جرام من الألبان سنويا، وبعض مزارع القرية الأخرى تنتج 800 كيلو جرام في اليوم الواحد، سعر الكيلو جرام من اللبن المباع لتجار الجملة يصل الي 38 سنتاً.
بيت عائلة “شيمل” مثل كل بيوت القرويين يقع على مساحة كبيرة ممتدة غير مسطحة، في الفناء الخلفي مزرعة الأبقار، ثم مخازن الأعلاف من الحشائش والأعشاب البرية التي يجمعونها في فصل الربيع والصيف،  ويتم تخزينها في مخازن خاصة لها نظام تهوية يتحكمون فيه حتي لا تفسد الأعشاب التي هي أهم غذاء للأبقار في موسم سقوط الجليد.
البيت مكون من ثلاث طوابق الأول تشغله الأسرة،  السيدة وزوجها واثنين من الأولاد،  يربط بينه وبين “زريبة الحيوانات” ممر،  أما الطابق الثاني والثالث من المنزل،  مقسم إلى غرف  لاستضافة السياح الراغبين في قضاء عطلة ريفية،  الحجرات نظيفة للغاية،  وهي تدخل في نطاق الثلاث نجوم.  يسمح القانون بتأجير ثمانية غرف فقط من المنزل، بعض بيوت القرية الأخرى مقسم إلى شقق صغيرة تتكون من غرفتين ومطبخ ،  مستواها 4 نجوم.
ليس ثمة مشكلة في حجز غرفة أو غرفتين لبضعة أيام في منزل قروي في ” سالزبورغ”، فالمعلومات عن السياحة الريفية متوفرة جدا،  وطرق الانتقال والأسعار والحجز كلها على شبكة الإنترنت،  ولدى وكلاء السفر،  فقط على الزائر أن يختار ويحدد القرية والموقع الذي يريده.  وعند الوصول إلى أقرب نقطة من القرية في المواصلات العامة يصطحبك أحد أفراد العائلة في سيارته الخاصة إلي المنزل .
القرويون يعرفون ما لايعرفه الآخرون، فهذا عالمهم ، مثلاً يستخدمون أنواعا عديدة من النباتات البرية في الطعام والحساء، وهم يعرفون فوائدها بشكل دقيق،  وإذا رافقتهم في جولة في الطبيعة يشيرون إلى نباتات معينة ويقولون إنها تشفي من أمراض كذا.. وكذا ..هم أيضاً صناع مهرة يجيدون البناء والتشييد وأعمال النجارة،  يقرأون،  ويعزفون الموسيقى،  وفي كل بيت في القرية مكتبة،  مثلاً عمدة القرية قال لنا:  إنه يكتب مسرحيات للأطفال،  وزوجته تعزف على الجيتار .
 اكثر السياح هم من العائلات الذين يرغبون في تشجيع أولادهم على مخالطة الحيوانات، لقد أثبت  باحثون ألمان أن زيارة الريف مهمة للأطفال،  وأن اتصالهم بالحيوانات في ” الزرائب”  يمنحهم مناعة لمقاومة العديد من الأمراض، فالبروفوسير “هارولد رينتز” من جامعة ماربورغ الألمانية أشرف على بحث  أثبت فيه أن  أطفال القرويين الذين يخالطون الحيوانات يومياً، لديهم جهاز مناعي أقوى بكثير من الأطفال الذين يعيشون في المدن، أيضا البروفوسيرة “فون ماتيوس” من جامعة ميونيخ تقول:  إن عشرين دقيقة يومياً للأم الحامل  داخل مزارع  الأبقار في الريف هي كافية من أجل اكتساب الجنين مناعة ضد الحساسية،  وتنصح بدورها الأطفال للمواظبة على  شرب اللبن الطازج الذي تنتجه مزارع القرويين  من أجل اكتساب المناعة المطلوبة، خاصة وأن السنة الأولي في حياة الأطفال مهمة بالنسبة ألى تكوين الجهاز المناعي لديهم .وتقول: إن النساء الحوامل من زوجات القرويين تلدن أطفالاً لهم بالفعل القدرة علي مقاومة الحساسية .
هكذا تصبح عطلة الريف ممتعة وصحية،  ولعل هذا يشجع بعض البلدان التي يختلط فيها ماء المجاري بمياه الشرب، وتنتشر القمامة في شوارعها علي الدعاية لجذب السياح لمنحهم مناعة مجانية !!.

____________________________

*كاتب مصري مقيم في ميونيخ
 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان