عبد القادر عبد اللي: الممانعة العربية تمنع شكسبير في تركيا

شهدت خلال دراستي أقسى فترات القمع التي عاشتها تركيا إبان انقلاب سبتمبر 1980 حيث كانت الرقابة تشك بحروف الجر، والفاصلة، والنقطة.
عبد القادر عبد اللي*
![]() |
طالعتنا الصحف العربية وخاصة الممانعة منها بخبر وقع عليّ كالصاعقة، وبقي هاتفي أياماً لا يهدأ من الأصدقاء الذين يريدون الاستفسار عن الخبر العجيب الذي تناقلته وسائل الإعلام على نطاق واسع جداً. فالخبر بحسب اليوم السابع المصرية على سبيل المثال تحت عنوان “تركيا تمنع أعمال شكسبير وبريخت وأنطوان تشيخوف من مسارح إسطنبول”، وجاء في متنه: “يواصل النظام الحاكم في تركيا اضطهاده للمسرح ورجاله وأفكاره، حتى أنه قدم ما يطلق عليه القائمة السوداء التي شملت عدداً من أهم صناع كتاب المسرح عبر التاريخ، بما يكشف عن ’عقدة‘ قديمة بين النظام الأردوغاني وخشبة المسرح.” (الأخطاء اللغوية عائدة للموقع)
الخبر منسوب إلى “وكالات”، ولكن ما اسم هذه الوكالات؟ هذه علمها عند الممانعين ومثقفي النسخ واللصق فقط. ولشدة انتشار الخبر، أورده أحد كتاب الزوايا في القدس العربي الجريدة التي ليس لها عداء مباشر مع تركيا، ولعل نشر الخبر في القدس العربي أعطاه مصداقية أكثر بكثير من نشره في صحف السيسي والإمارات العربية المتحدة، إضافة إلى إعلام الممانعة.
أنا خريج قسم المسرح في أعرق أكاديمية فنية في تركيا، وهي أكاديمية الفنون الجميلة التي سميت فيما بعد جامعة المعمار سنان، وكان الألمان قد أسسوا هذا الصرح العلمي الفني عام 1883 تحت “اسم صنائع نفيسة مكتبي” وبقي يعتمد اللغة الألمانية بالتدريس على مدى خمسين عاماً على الأقل. وقد شهدت خلال دراستي أقسى فترات القمع التي عاشتها تركيا إبان انقلاب 12 سبتمبر/ أيلول 1980 حيث كانت الرقابة تشك بحروف الجر، والفاصلة، والنقطة، وتسعى لاكتشاف مؤامرة ما وراء هذه الحروف والفواصل والنقط، وخاصة الألوان، فقد كان استخدام اللون الأحمر موضع شبهة. وحتى إن الإدارة العرفية أصدرت قراراً بمنع تداول شعر ناظم حكمت، والحكم بسنتي سجن لمن يوجد عنده كتاب شعر لهذا الكاتب التركي.
في ذلك العصر الرهيب الذي بلغ عدد المعتقلين السياسيين فيه عشرات الألوف لم يُمنع شكسبير وبريخت، وقد نفّذتُ في الجامعة أثناء دراستي مسرحية الملك لير لشكسبير، وأوبرا القروش الثلاثة لبرتولد بريخت، فما قصة هذا المنع بعد زوال الرقابة في تركيا نهائياً وانقشاع حكم العسكر الذي اقترن بالرقابة؟
المعروف أنه لا يوجد رقابة على المطبوعات في تركيا، وبإمكان أي شخص أن يطبع الكتاب الذي يشاء، وبعد الطبع إذا وجد أحد ما أن العمل يسيء إلى شخص معين، يمكن لهذا الشخص أن يرفع دعوى قضائية على المؤلف للحصول على تعويضات نتيجة الإهانة الشخصية التي تعرض لها.
وهذه الدعاوى يمكن أن تكون من مواطن ضد مسؤول. على سبيل المثال فقد نفذ النحات التركي محمد آقصوي تمثالاً بعنوان: “نصب الإنسانية” في مدينة قارص التركية، وعندما رآه رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان آنذاك (9 يناير/ كانون الثاني 2011)، أطلق عليه كلمة تعني بالعربية “شديد القبح” ووعد بأنه سيهدم النُصب، وبدأ الهدم فعلياً في 14 يونيو/ حزيران 2011، فرفع النحات أقصوي دعوى قضائية يطالب فيها بسجن رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان أربع سنوات وثمانية أشهر، وقد حكمت المحكمة لصالح النحات بتاريخ 3 مارس/ آذار 2015 (أي عندما كان أردوغان رئيساً للجمهورية) بدفع تعويض مالي مقداره عشرة آلاف ليرة تركية (ثلاثة آلاف وخمسمائة دولار تقريباً بحسب سعر الصرف يومئذ) للنحات محمد آقصوي.
ربما هنا يقول قائل وما قصة الصحف التي عُين لها حارس قضائي، وأوقف بعض رؤساء تحريرها؟ غالبية هذه الصحف هي لحزب العمال الكردستاني الذي تصنفه تركيا، كما يصنفه الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة منظمة إرهابية، وهناك بعضها تابعة لمنظمة فتح الله غولن المتهم الأول بالعملية الانقلابية الفاشلة التي حدثت في الخامس عشر من تموز، والتهمة هي دعمها للعمل الانقلابي، وهي قيد المحاكم؟
الجميل أن وسائل الإعلام الممانعة للحريات هي التي تنشر خبر منع شكسبير وبريخت وتشيخوف…. ولكنني لا أدري لماذا لم يضيفوا موليير وتوفيق الحكيم وحتى سعد الله ونوس؟ لأن القرار يمكن تفسيره على هذا النحو، فما هو أصل القرار: “قرر مسرح الدولة تركيا تخصيص مسرحيات النصف الثاني هذا العام 2016 للكتاب المحليين.” وكان مسرح الدولة يقدم بعض الدعم المادي للفرق المسرحية التي تريد أن تقدم عروضها بشكل خاص، وقد عمم عليها أنه لن يدعم في هذا النصف من العام سوى الأعمال المحلية…
هذا قرار اتخذته إدارة مسرح الدولة، وهو قرار يحتمل الخطأ والصواب، وقد لاقى من النقد اللاذع الكثير، ولكن من كان لديه النقود، ويريد أن ينفذ مسرحيات لشكسبير أو بريخت أو تشيخوف فليس هناك قوة تستطيع منعه، ولكنه إذا نفذها خلال النصف الثاني من العام الحالي، فعليه أن يتخلى عن دعم الدولة.
لا أعتقد بأن وسائل الإعلام -وخاصة الكبرى- التي تلفق هذه الأخبار لا تعلم الحقيقة، وفي وكالات الأنباء مترجمون يرصدون الأخبار، ويعرفون أصل الخبر، وتبعاته، وهذه الوكالات تعرف أنها تكذب، لأنها لو كانت لا تكذب لنسبت الخبر لوكالة معينة بتاريخ معين. وبالطبع عندما نقرأ كلمة “وكالات” فهي كلمة من أجل تضييع التهمة والمصدر.
المشكلة أن هناك رغبة شديدة لدى الممانعين العرب أن تكون تركيا مثلهم، وهم ينظرون عبر النظارات التي يريدها رجل الأمن الذي يتبعون له. ولكن الشعب التركي بمعارضته وموالاته لا يمكن له بأي شكل من الأشكال القبول بأن يكون مثل الأنظمة العربية الفاشلة. وسيبقى شكسبير وبريخت وتشيخوف وموليير وغيرهم نماذج مسرحية تجد طريقها إلى خشبات المسارح التركية ولو كره الممانعون. والقوائم السوداء ستبقى حبيسة عقول شخصيات مهمتها الأساسية أمنية، وتحمل صفة تمويهية هي كاتب.
____________________
*كاتب سوري متخصص في الشؤون التركية
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
