عبد القادر عبد اللي يكتب: آفاق محدودة لتعاون تركي مصري

على الرغم من أن حجم التبادل التجاري بين تركيا ومصر يعتبر هزيلاً جداً، فإن الأرقام تدل بوضوح على أنه زاد في عهد السيسي ولم ينقص.. يتبع.
عبد القادر عبد اللي*
![]() |
بعد أن طرح البروفيسور أحمد داود أوغلو رئيس الحكومة التركية السابق نظريته مستحيلة التطبيق على أرض الواقع بعنوان “صفر مشاكل” مع الجوار، جاء خلفه بن علي يلدرم ليطرح نظرية جديدة تبدو أكثر واقعية بعنوان “أعداء أقل وأصدقاء أكثر”.
مع طرح بن علي يلدرم هذه النظرية لمّح إلى إمكانية “تحسين” العلاقات مع مصر، وسورية، والعراق. وهنا فتحت قريحة المحللين السياسيين والمنجمين، وبدأوا يتحدثون عن لقاءات هنا وهناك. المشكلة أن كثيراً ممن لا يعرفون الفرق بين الألف والعصا أصبحوا خبراء اقتصاديين، واعتبروا أن مصر بوابة اقتصادية ستخرج تركيا من أزمتها بعد تأزم العلاقات بين البلدين.
في الحقيقة أن العلاقة بين تركيا ومصر لم تكن في أية مرحلة من مراحل التاريخ جيدة، ولو تركنا جانباً الحرب الحثية الفرعونية التي جرت على أرض الشام، ويدعي الطرفان الانتصار فيها، فإن تركيا العثمانية بقيادة سليم الأول هي التي أسقطت الدولة المملوكية في مصر، وكان أول تمرد قوي على الدولة العثمانية بقيادة محمد علي من مصر.
وحتى في زمن مرسي فقد كانت العلاقات التركية المصرية سيئة جداً، وبخاصة عندما أعلن رجب طيب أردوغان عبر إحدى القنوات المصرية أن العلمانية هي الحل الذي يحمي الجميع في مصر.
بعد نظرية بن علي يلدرم “أعداء أقل، وأصدقاء أكثر” اعتمد كثير من “المحللين السياسيين” على معطيات اقتصادية، وافترضوا أن تركيا مضطرة للتنازل أمام نظام السيسي من أجل هذه المعطيات الاقتصادية التي تحتاجها تركيا، ولكن أحداً من هؤلاء الاقتصاديين لا يعرج على الأرقام الموثقة. الجدول المدون أدناه هو من إصدار وزارة الاقتصاد التركية، والمعتمد بشكل رسمي، والأرقام الواردة فيه بآلاف الدولارات.
العام الصادرات الواردات حجم التبادل التوازن
|
العام |
الصادرات |
الواردات |
حجم التبادل |
التوازن |
|
2009 |
2.618.193 |
641.552 |
3.259.745 |
1.976.641 |
|
2010 |
2.250.577 |
926.476 |
3.177.053 |
1.324.100 |
|
2011 |
2.759.311 |
1.486.725 |
4.246.036 |
1.272.586 |
|
2012 |
3.679.195 |
1.342.051 |
5.021.246 |
2.337.144 |
|
2013 |
3.200.921 |
1.628.868 |
4.829.789 |
1.572.053 |
|
2014 |
3.300.940 |
1.437.260 |
4.738.201 |
1.863.680 |
|
2015 |
3.129.248 |
1.215.784 |
4.345.032 |
1.913.464 |
إن أبسط قراءة لهذه الأرقام تبين بأن الحجم التجاري الذي كان في عهد مبارك قبل (2010) لم يختلف سوى بخمسمئة ألف دولار عن فترة حكم المجلس العسكري الذي عينه الرئيس مبارك. وإذا اعتبرنا أن انتخاب مرسي تم في أواسط العام 2012 لا يمكن اعتبار الزيادة في الميزان التجاري كانت قراراً لمرسي وحده لأن النصف الأول من العام كان تحت إدارة المجلس العسكري، والدليل على ذلك أن الرقم بقي كما هو حتى عهد السيسي.
على الرغم من أن حجم التبادل التجاري بين تركيا ومصر يعتبر هزيلاً جداً، فإن الأرقام تدل بوضوح على أنه زاد في عهد السيسي ولم ينقص، وهنا لابد من القول إن العامل الأساس في هذا الأمر هو القطاع الخاص، لأن الحكومة التركية ليس لديها قطاع اقتصادي على طريقة الدولة الشمولية.
عندما نستعرض المواد المصدرة من تركيا إلى مصر فهي كالتالي: الزيت المعدني، البنزين، الحديد، والفولاذ، وحديد البناء، والإسمنت، والمنسوجات القطنية، والسجاد، ألياف السيللوز، وأنابيب التمديدات الصحية، وإطارات السيارات، ومن المواد الغذائية العدس المجروش والبندق.
وتستورد تركيا من مصر أيضاً الزيوت المعدنية، والمنسوجات القطنية، واللوحات البلاستيكية، والأسلاك النحاسية.
عند استعراض المواد المتبادلة تجارياً بين مصر وتركيا لا نجد مواد نادرة، باستثناء البندق الذي تنتج تركيا أكثر من ثمانين في المئة من إنتاجه العالمي، وهو ليس مادة ضرورية للحياة، ويمكن لأي بلد الاستغناء عن هذه المادة. وهكذا فإن الحاجة التجارية بين البلدين يمكن أن تكون شبه معدومة، فالمواد التي يحصل عليها كل بلد يمكن أن يحصل عليها من مصادر أخرى، وهي لا تحمل ضرورات حياتية. إضافة إلى أن الميزان التجاري بين البلدين رقم هزيل جداً، فهو في حدود ثلاثة مليارات دولار.
هناك من يعتبر قناة السويس أداة ضغط على الصادرات التركية نحو الخليج العربي والسعودية، ولكن قناة السويس ممر مائي دولي تملكه مصر، وتدفع السفن تسعيرة معينة للعبور منه، والأمر خاضع للقوانين الدولية عند حدوث أي نزاع بين طرفين.
على الصعيد السياسي كانت مصر تحظى بدعم سعودي إماراتي كبير يضغط على تركيا، وحتى في تلك الفترة التي كانت السعودية تلعب دوراً مؤثراً لم تستطع أن تفرض على تركيا تطبيع العلاقات مع مصر، فما الذي لدى المملكة الآن من أجل أن تقدمه لتركيا من أجل إعادة العلاقات بين مصر وتركيا؟
من جهة أخرى مازال سفراء البلدين يقومان بعمليهما، وهناك علاقات دبلوماسية من الدرجة الأولى. وإذا كان هناك ما يجب أن يبحث، فليس ثمة ضرورة للذهاب بعيداً، وإجراء لقاءات في دول أخرى، فهذا من صلب عمل السفراء، وهم يقومون به بشكل دائم.
إذا كان الأمر على هذا النحو على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، فما المقصود بتحسين العلاقات بين البلدين الذي يعلن عنه بين فترة وأخرى دون أن يكون هناك تطور ملموس على هذا الصعيد؟
من خلال استعراض ما بين البلدين من علاقات سياسية واقتصادية، وبأخذ حجم كل بلد من البلدين وتأثيره في الساحة الدولية فليس هناك أفق لتطوير العلاقة بين مصر وتركيا على الصعيد الرئاسي، فالتصريحات الرئاسية التركية تفرض شروطاً قاسية لتطبيع العلاقات مع مصر، ولعل سقف ما يمكن الوصول إليه في العلاقات هو كما وصفه بن علي يلدرم بأن تكون العلاقات أفضل بين الوزارات، وبين القطاع الخاص فقط.
___________________
*كاتب سوري متخصص في الشؤون التركية
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
